أكرم حمدان - خاصّ الأفضل نيوز
لا شك أن المحارق والمذابح التي تنفذها دولة الإرهاب الصهيونية في غزة وفلسطين، ستكون مثار بحث ونقاش على أكثر من مستوى عالمي وحقوقي وإنساني.
فقد كشفت هذه الهمجية الصهيونية المجرمة بحق الشعب الفلسطيني، ولا سيما بحق الأطفال الذين يحتفي العالم بعيدهم، كشفت القناع عن وجوه كثيرة تدعي الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان ، في ما يُسمى العالم المتحضر، كما كشفت المواقف الحقيقية والفعلية لمن هم مع فلسطين وشعبها قولا وفعلا.
وهنا لا بد من التوقف مليًّا أمام الموقف الواضح والجريء لدولة جنوب أفريقيا ورئيسها ماتاميلا رامافوزا، الذي أعلن أن "بلاده قدمت شكوى للمحكمة الجنائية الدولية من أجل التحقيق في جرائم حرب ارتكبتها إسرائيل في قطاع غزة".
وقال رامافوزا خلال زيارته الرسمية إلى قطر :" لقد قمنا في جنوب إفريقيا مع العديد من الدول الأخرى بجميع أنحاء العالم بتقديم هذه الشكوى ضد إسرائيل إلى المحكمة الجنائية الدولية لأننا نعتقد أن هناك جرائم حرب ترتكب هناك، ونعتقد أنها تستدعي قيام المحكمة الجنائية الدولية بإجراء تحقيق".
وذهب موقف جنوب أفريقيا أبعد من ذلك عندما أعلن حزب المؤتمر الوطني الإفريقي الحاكم، الذي يتزعمه رامافوزا، أنه سيدعم الاقتراح الذي قدمه حزب "مقاتلون من أجل الحرية الإقتصادية" المعارض من أجل إغلاق سفارة إسرائيل، وقطع العلاقات الدبلوماسية معها.
وبالفعل فقد صوت برلمان جنوب أفريقيا بعد أيام، لصالح إغلاق سفارة الاحتلال في البلاد، وطرد السفير منها وقطع العلاقات مع الاحتلال.
وصوتت أغلبية مكونة من 248 عضواً في الجمعية الوطنية لصالح القرار بعنوان "إغلاق سفارة إسرائيل" في جنوب أفريقيا وتعليق جميع العلاقات الدبلوماسية مع "إسرائيل" الذي قدمه المشرع جوليوس ماليما.
وصوت حزب المؤتمر الوطني الأفريقي الحاكم، لصالح القرار لكن 91 نائباً من أحزاب المعارضة صوتوا ضده.
هذا الموقف التاريخي والمشرف لجنوب أفريقيا ، يُذكر بالزعيم الروحي والمناضل ضد العنصرية والإستبداد في جنوب أفريقيا نيلسون مانديلا (1918-2013)، الذي يُصادف ذكرى رحيله في الخامس من كانون الأول.
وهذا الموقف لجنوب أفريقيا يؤكد أن هذه البلاد لا زالت تسير على نهج مانديلا الذي قضى نحو ثلاثة عقود في السجن، ثم انتخب رئيسًا لجنوب أفريقيا في انتخابات وصفت بالتاريخية عام 1994، لكنه تقاعد عام 1999، وحصل على جائزة نوبل للسلام في 1993، وكان أفرج عنه يوم التاسع من شباط عام 1990.
وكان مانديلا على علاقة متميزة مع فلسطين والقضية الفلسطينية، عبرت عنها عائلة مانديلا في رسالة إلى الشعب الفلسطيني بعد عامين على رحيله، وقالت فيها:"إن روح نيلسون مانديلا تقف مع نضالكم العادل، والتضامن مع فلسطين لن يكون عبر الكلمات والخطابات المكتوبة على الورق فقط، إنما سيكون من خلال ترجمة فعلية لقناعتنا بالتضامن مع الشعب الفلسطيني على الأرض، من خلال المشاركة الفاعلة في حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الإستثمارات منها وفرض العقوبات عليها".
وتابعت:"نضال شعب جنوب أفريقيا ضد نظام الفصل العنصري، الذي قاده الأجداد، له تكملة هذا اليوم عنوانها الوقوف في وجه نظام الأبرتهايد الإسرائيلي".
وكان مانديلا زار قطاع غزة عام 1999 وكان في استقباله رئيس السلطة الفلسطينية أنذاك ياسر عرفات، وجماهير غفيرة، وسط احتفالات شعبية بحريته.
وفي شهر آذار/ مارس عام 2009 رفعت لوحة مشتركة لعرفات ومانديلا في جنوب أفريقيا، تخليدًا للشراكة النضالية والصداقة التي جمعت الرجلين، في العاصمة بريتوريا بمبادرة من سفارة فلسطين هناك، وتظهر اللوحة صورة التقطت في تسعينيات القرن الماضي، لمانديلا وعرفات، خلال مشاركتهما في أحد مؤتمرات القمة الأفريقية.
وفي نيسان 2016، دشن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، ميدان المناضل الأممي الرئيس الأسبق لجنوب إفريقيا نيلسون مانديلا، في حي الطيرة بمدينة رام الله.
هكذا مواقف وشخصيات لا بد أن تُذكر في مثل هذه المحطات والمواقع التاريخية، ولا بد من تحيتها وشكرها.
ولا شك أن هناك الكثير من الشخصيات والقيادات والدول التي تستحق الشكر والتقدير خصوصاً في أميركا اللاتينية التي اتخذت مواقف مشابهة في قطع العلاقات وطرد السفراء الصهاينة، وكذلك الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي الذي طالب دول مجموعة "بريكس" باعتبار الاحتلال الصهيوني كياناً إرهابياً وتصنيف جيشه منظمةً إرهابية.
وعلى المقلب العربي الذي يُفترض أن يكون سباقاً، لا بد من التنويه بموقف مجلس الأمة الكويتي الذي أصدر مجموعة من التوصيات الحازمة تجاه التعامل مع الاحتلال، وكذلك البرلمان الليبي الذي أصدر قانوناً يجرم العلاقات مع الاحتلال ويفرض عقوبات صارمة تشمل السجن لمدة 7 سنوات، والعزل من المراكز القيادية والوظيفية، بالإضافة إلى حرمان المخالفين من حقوقهم المدنية.
كذلك هناك مواقف لعدد من البرلمانات والبرلمانيين مثل النائب مصطفى بكري في البرلمان المصري الذي دعا إلى طرد السفير الإسرائيلي من القاهرة وإلغاء اتفاقية "كامب ديفيد" والتي مزقها زميله في مجلس النواب ضياء الدين داود.
ربما تعبر هذه المواقف عن تراكم الوعي الذي جعل فعل المقاومة الفلسطينية المسلحة تأكيداً لمقولة الزعيم والقائد التاريخي جمال عبد الناصر، بأن المقاومة وجدت لتبقى وسوف تبقى وما أخذ بالقوة لا يُسترد بغير القوة.

