د. علي دربج باحث وأستاذ جامعي - خاصّ الأفضل نيوز
بعد أسابيع من الصمود الأسطوري للمقاومة الفلسطينية، بقيت الأخيرة على مواقفها وثوابتها، فلم تتزحزح أو تتخلى عن ورقة الأسرى، بالرغم من المذابح والمجازر الغير مسبوقة التي ارتكبها بحق غزة وأهلها، إلى أن رضخ العدو الإسرائيلي لشروط "حركة حماس"، ووافقت بالتالي حكومته الفاشية برئاسة بنيامين نتنياهو، في وقت مبكر من يوم الأربعاء الماضي، على اتفاق لوقف القتال مؤقتًا، مقابل إطلاق سراح ما لا يقل عن 50 أصلًا من 240 من الأسرى الصهاينة المحتجزين داخل القطاع.
أما اللافت، في الاتفاق هو تدخل الرئيس الأمريكي جو بايدن الشخصي واهتمامه بتفاصيله الدقيقة، إلى جانب ممارسته ضغوط على القيادة الإسرائيلية، لإخراج الصفقة إلى العلن، ووضعها حيز التنفيذ، حيث من المقرّر أن يبدأ وقف القتال وتسليم المساعدات في الساعة السابعة من صباح اليوم الجمعة 24 الجاري، على أن يلي ذلك إطلاق سراح الرهائن الأوائل في الساعة الرابعة مساءً.
ما هي بنود الاتفاق؟
يمثل الاتفاق، الذي قاومه القادة الإسرائيليون طويلا رغم الضغوط المتزايدة عليهم، من عائلات الرهائن تتويجًا لأسابيع من المحادثات المتوترة بين إسرائيل وحماس، بوساطة كل من الحكومتين القطرية والأمريكي.
وتشمل الصفقة بحسب حماس وقف إطلاق النار من الطرفين، بما فيها جميع الأعمال العسكرية لجيش الاحتلال في كافة مناطق قطاع غزة لمدة أربعة أيام (قابلة للتمديد)، ومن بينها حركة آلياته العسكرية المتوغلة في قطاع غزة.
وأضافت الحركة، أن الاتفاق يتضمن إدخال مئات الشاحنات الخاصة بالمساعدات الإنسانية والإغاثية والطبية والوقود يوميًا، إلى كل مناطق قطاع غزة، بلا استثناء شمالاً وجنوباً. كما سيتم إطلاق سراح 50 من محتجزي الاحتلال من النساء والأطفال دون سن 19 عام، مقابل الإفراج عن 150 من النساء والأطفال من أبناء شعبنا من سجون الاحتلال دون سن 19 عاماً وذلك كله حسب الأقدمية.
وفيما يخص حركة الطيران أكدت حماس أنه سيتم وقف حركة الطيران في (الجنوب)على مدار الأربعة أيام، وفي (الشمال) لمدة 6 ساعات يوميًا من الساعة 10:00 صباحًا حتى الساعة 4:00 مساءً، مع ضمان حرية حركة الناس (من الشمال إلى الجنوب) على طول شارع صلاح الدين".
لذا، من المتوقع أن تقوم حماس بتسليم الأسرى داخل غزة إلى ممثلي اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الذين سيرافقونهم بعد ذلك إلى المعابر الحدودية الإسرائيلية.
وما هي الأسس التي قامت عليها الصفقة؟
في الواقع، كانت قناة التفاوض في جزء منها عبارة عن عملية استخباراتية، تدار بهدوء من قبل وكالة المخابرات المركزية والموساد الإسرائيلي. أما الفكرة الأساسية التي تحرك الصفقة على ذمة مسؤولين أمريكيين وقطريين، هي "المزيد مقابل المزيد"، وهي صيغة معروفة جيداً في مفاوضات الحد من الأسلحة.
ووفقا لمسؤول إسرائيلي كبير "إذا قامت حماس بتسليم المزيد من الرهائن، فإن تل أبيب بدورها، ستكون مستعدة لتمديد فترة الهدنة" وأضاف أنه "لا يوجد حد أقصى للمدة التي قد توقف فيها إسرائيل عملياتها في غزة، حيث تسعى إسرائيل إلى إطلاق سراح جميع الأسرى في نهاية المطاف، بما في ذلك العسكريون".
ولهذه الغاية، أصدرت وزارة العدل الإسرائيلية أمس الأربعاء الماضي، قائمة بأسماء السجناء الفلسطينيين المحتجزين في إسرائيل وهي تضم 300 اسم (أصغرهم في القائمة يبلغ من العمر 14 عامًا.)، مما يسمح بإمكانية تبادل المزيد من الأسرى والرهائن بعد الاتفاق الأولي.
وماذا عن الرواية الأمريكية لمراحل المفاوضات؟
كما هو الحال في معظم المفاوضات، كان الشيطان يكمن في التفاصيل استنادًا لمسؤول كبير في الإدارة الأمريكية روى المراحل التي مرت بها المفاوضات وصولًا إلى الإعلان عنها. وإليكم القصة الكاملة:
تم وضع الإطار الأولي للاتفاق المتوقع في 25 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، أي قبل يومين من بدء إسرائيل هجومها البري على غزة، الذي تسبب بتعطيل المحادثات لفترة ما، لكنها استؤنفت لاحقا.
وتبعا لذلك، وفي الأيام التي تلت 7 أكتوبر، تواصل المسؤولون القطريون مع البيت الأبيض، والإسرائيليين بشأن قضية الرهائن، مؤكدين أن عملية إطلاق سراحهم من قِبل حماس ستكون صعبة.
على أثر ذلك، طلب القطريون تشكيل خلية، أي مجموعة سرية وصغيرة من الأشخاص، للعمل على الموضوع مع الإسرائيليين. ووفقا للمسؤول الأمريكي، كلف مستشار الأمن القومي للرئيس بايدن، جيك سوليفان، مستشار البيت الأبيض بريت ماكغورك وكبير مستشاريه جوش جيلتزر، بتشكيل تلك الخلية.
تم التعامل مع الخلية بحساسية شديدة، وانتهى الأمر بإنشاء غرفة عمليات للتواصل بشكل فعال مع حماس بشكل مباشر. والمثير للانتباه، أن الرئيس بايدن كان "منخرطًا بشكل مباشر وشخصي" في العملية، إضافة إلى فريق على الأرض يعمل على إطلاق سراح الرهائن.
في 23 أكتوبر، ونتيجة العمل في الخلية التي تم إنشاؤها، تم إطلاق سراح الرهينتين الأمريكيتين ناتالي وجوديث رانان. وفي ذلك الوقت، فوض الإسرائيليون سلطة التفاوض لمدير الموساد، ديفيد بارنيا.
على خط مواز، بدأ مدير وكالة المخابرات المركزية بيل بيرنز وبارنيا يتحدثان "بانتظام" عن ملامح صفقة من الجانب الإسرائيلي. وفي اليوم ذاته، أجرى بايدن اتصالات مع نتنياهو، وناقشا مسألة الرهائن في المكالمات.
في 25 أكتوبر، تحدّث ماكغورك مع رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، المعروف باسم MBAR. وبعد المكالمة، تم إطلاع بايدن على الأمر، الذي طلب بدوره مكالمة MBAR. وعلى الفور تحدث الموظفون في الإدارة الأمريكية مع بايدن ، وأجروا "مناقشة مستفيضة للغاية".
حينها، بدأت عملية إطلاق سراح السجناء تتبلور، مع ظهور اتفاق لإطلاق سراح جميع النساء والأطفال في مرحلة أولى، إلى جانب تحرير متناسب للسجناء الفلسطينيين من الجانب الإسرائيلي.
لاحقا، اتفق البيت الأبيض مع الإسرائيليين، الذين كانوا يصرّون آنذاك، على أن حماس يجب أن تضمن خروج جميع النساء والأطفال في هذه المرحلة. ويقول المسؤول الأمريكي، آنذاك طلب البيت الأبيض عبر قطر، من حماس تقديم دليل على الحياة أو معلومات تعريفية عن النساء والأطفال الذين تحتجزهم الأخيرة.
لم يتأخر رد حماس التي قالت إنها تستطيع ضمان 50 شخصًا في المرحلة الأولى، لكنها رفضت تقديم قائمة كاملة بمعايير التعريف. في النهاية أصدرت حماس قائمة بعشرة أسماء، والتي وجد البيت الأبيض أنها غير كافية.
في أوائل نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي، التقى بيرنز بمدير الموساد، ومسؤولين قطريين. وفي 9 تشرين الثاني، اجتمع بيرنز في الدوحة مع MBAR وبارنيع، لمراجعة نصوص الترتيب الناشئ، وهنا برزت مشكلة رئيسية، وتمثلت أن حماس لم تحدِّد بوضوح من الذي تحتجزه.
ولتحريك عجلة المفاوضات، في 12 تشرين الثاني، تدخل، بايدن و اتصل بأمير قطر، وقال له إن المرحلة التي وصلت إليها المحادثات "لم تكن كافية". كما أوضح بايدن إنه يحتاج إلى معلومات محدّدة عن الأسرى الذين ستطلق حماس سراحهم في المرحلة الأولى. ويستطرد المسؤول الأمريكي "لقد كانت مكالمة مهمة للغاية و مكثفة للغاية حول موقفنا".
بعد وقت قصير من تلك المكالمة، قدمت حماس معايير تحديد الأسرى الخمسين، وهم نساء وأطفال (ودائما على ذمة المسؤول الامريكي)، وقالت إنه سيتم إطلاق سراحهم في المرحلة الأولى من أي صفقة.
وأثناء مكالمة هاتفية في 14 نوفمبر، حثَّ بايدن نتنياهو على قبول الصفقة، نظرًا لأنها قدمت معلومات تعريفية عن الأسرى الخمسين، وبعض التأكيدات حول عدد الآخرين الذين قد يتم احتجازهم. حينها وافق نتنياهو "بشكل عام" مع مجلس الوزراء الحربي الإسرائيلي على صيغة للتوصل إلى اتفاق في وقت لاحق من ذلك اليوم.
في تلك الأثناء كان ماكغورك في إسرائيل، التقى نتنياهو في نفس اليوم. ويلفت المسؤول الأمريكي الانتباه إلى أن نتنياهو حث بايدن، عبر ماكغورك، على اتصال بأمير قطر بشأن الشروط النهائية.
هنا، حدثت مفاجأة غير متوقّعة. في وقت لاحق من ذلك اليوم، "توقف كل شيء وانقطعت الاتصالات مع حماس"، كما أوضح المسؤول، مما يعني أن حماس توقفت عن التحدث مع الأشخاص في الدوحة والقاهرة الذين كان البيت الأبيض على اتصال بهم.
ولتدارك الأسوء، وأثناء وجوده في سان فرانسيسكو في 17 تشرين الثاني،اتصل بايدن بأمير قطر بعدما استؤنفت المحادثات. وفي هذا السياق، أشار المسؤول الأمريكي، إلى أن هذا الوقت كان مناسبًا لإتمام الصفقة.
في اليوم التالي أي في 18 نوفمبر، التقى ماكغورك مع MBAR في الدوحة لمراجعة نص الصفقة. وكان القطريون قد تلقوا للتو تعليقات من حماس، وقاموا باستدعاء بيرنز لحضور الاجتماع. وحدّد الاجتماع الثغرات المتبقية في الصفقة، والتي أصبحت فيما بعد نصًا تفصيليًا مكونًا من خمس إلى ست صفحات يتمحور حول النساء والأطفال.
ومن الدوحة انتقل ماكغورك الى القاهرة، وعقد لقاء مع رئيس المخابرات المصرية عباس كامل. خلال ذلك الاجتماع تلقوا رسالة من حماس "لسد الفجوات". وتعقيبًا على ذلك، وصف المسؤول الأمريكي الأجواء قائلاً: "في تلك المرحلة، أعتقد أنه للمرة الأولى، يمكنك أن ترى هذا الأمر يحدث معًا".
وبعد تلقي التعليقات من حماس، أبلغ البيت الأبيض الإسرائيليين، الذين وافقوا على "معظم الصفقة ولكن مع بعض التغييرات". وخلال الـ 48 ساعة التالية، تم الانتهاء من تفاصيل "التنفيذ البسيط
و في 21، نوفمبر قام الإسرائيليون بنقل الاتفاقية عبر نظامهم للموافقة عليها. فيما التفاصيل اللوجستية موضوع مساومة مكثفة. إذ طالبت حماس طائرات الاستطلاع الإسرائيلية بعدم تعقب عناصرها أثناء تحركهم بين المواقع لجمع ونقل الإسرائيليين، لذلك لن يُسمح بطائرات بدون طيار الإسرائيلي بالتحليق، ولن يتم إجراء مراقبة علوية أثناء تحرك حماس عبر المنطقة لجمع الرهائن وتسليمهم إلى الصليب الأحمر.
الجدير بالذكر، أن المداولات النهائية للصفقة جاءت، في الوقت الذي أعاد فيه المتظاهرون عند تقاطع تل أبيب تسميته بـ "ساحة الرهائن"، حيث قرعت عائلات الأسرى الطبول وهتفوا "اتفقوا الآن!". صفقة الآن! صفقة الآن!
وما هو موقف الجيش والقيادات الإسرائيلية من الاتفاق ؟
في الحقيقة، حظت الصفقة بإجماع المؤسستين السياسية والعسكرية، خصوصًا الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام (الشاباك) والموساد كابينيت الحرب، إضافة الى الأحزاب الحريدية ("شاس" و"يهدوت هتوراه") والعديد من وزراء الليكود الذين أكدوا أنهم يدعمون الاتفاق
ومع ذلك، رفض وزراء الفاشيين الاتفاق، حيث أدان الأعضاء اليمينيون في الائتلاف الحاكم نتنياهو مع تسليط الضوء على شكل الصفقة، وكان في مقدمة هؤلاء وزير الأمن القومي إيتامار بن غفير، الذي تمَّ استبعاده إلى حد كبير من القرارات المتعلقة بالحرب، خصوصًا أنه انتقد الاتفاق ووصفه بأنه "كارثة".
في المحصّلة، أن التوصيف الأدق للمشهد الإسرائيلي الحالي ، لخصه المحلّل العسكريّ أمير أورن الذي قال :حتّى لو كان حكم اللعبة جو بايدن قد أطلق انتهاء النصف الأوّل، فإنّ الهواء قد نفذ من العجلات الإسرائيليّة قبل الوصول إلى الهدف المُعلن بالقضاء على حماس وقتل قادتها".

