كمال ذبيان - خاص الأفضل نيوز
ماذا بعد "الهُدنة الإنسانيّة" في غزة، التي جرى الاتفاق عليها بين العدو الإسرائيلي وحركة "حماس" ومعها فصائل فلسطينية حليفة لها في المقاومة، بوساطة قطرية، وتأييد مصري، وقبول أميركي، لإطلاق سراح أسرى بين الطرفين، بدأ العمل به، منذ صباح الجمعة وينتهي مفعوله صباح الثلاثاء، بعد مضي أربعة أيام عليه؟
هذا السؤال، جاء الجواب عليه من رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو ووزراء في حكومته، بأنّ الحرب على غزة وأهلها مستمرة، وهي لن تتوقف، قبل تحقيق أهدافها، بالقضاء على المقاومة في غزة، وتحديدًا "حماس"، التي تعتبر أنّ موافقة نتنياهو وحكومته "الكابينيت" على وقف إطلاق النار، وحصول عملية تبادل الأسرى، بشروط المقاومة، هو انكسار للعدو الإسرائيلي وأهدافه من الحرب المدمّرة والارتكابات المجرمة بحق الأطفال والنساء والمسنّين، ودور العبادة، والمستشفيات والمدارس، وهي مُنافية لحقوق الإنسان، والمواثيق الدولية، حيث كشفت المجازر الصهيونية، حقيقة "الدولة العبرية"، التي تدّعي بأنها "ديمقراطية" لتظهر على حقيقتها، بأنّها دولة الإرهاب والفصل العنصري، وهذا ما حرّك الرأي العام العالمي، ضد الكيان الصهيونى، وأظهر وجود قضيّة اسمها فلسطين، جرى طمسها على مدى ٧٥ سنة، وأعادتها المقاومة إلى الضمير العالمي، بعد سنوات من الخداع الصهيوني والطمس الأميركي لوجود شعب لأرض اسمها فلسطين.
فهذه الحرب الإجراميّة المدمّرة التي يخوضها جيش الاحتلال الإسرائيلي، ووصلت إلى يومها الخمسين، هي آخر حروبه، لأنه بدأ يُهزم فيها، بعد اندحاره من لبنان في ٢٥ أيار ٢٠٠٠، دون اتفاق سلام معه، كما كان يرغب إثر غزوه له في صيف ١٩٨٢، ونصّب بشير الجميل رئيسًا للجمهورية، فاغتيل بعد أقل من شهر على انتخابه في ظلّ الاحتلال الإسرائيلي، ليخلفه شقيقه أمين، الذي وقّع اتفاق سلام معه في ١٧ أيار ١٩٨٣، لكن القوى الوطنية بمقاومتها، ودعم من سوريا، أسقطته، وتمت محاصرة الحكم الكتائبي، فكان هذا أول انتصار للمقاومة سياسيًّا، بعد إخراج الاحتلال الإسرائيلي من بيروت، بعد أقل من شهرين على دخولها، فتدحرجت عمليات المقاومة، إلى أن اكتمل التحرير عام ٢٠٠٠.
خرج العدو الإسرائيلي من لبنان، ويفكر قادته بالهزيمة التي لحقت بجيشه وعملائه، فحاول تجديد عدوانه في العام ٢٠٠٦، لكنه فشل بعد ٣٣ يومًا بالقضاء على "حزب الله" وتدمير سلاحه، وهذا ما يحصل في غزة مع "حماس"، التي اضطر العدو إلى أن يعترف بأنّها ما زالت قوّة عسكرية موجودة، وألحقت به خسائر في جيشه وصلت إلى ٦٣ قتيلاً بين جندي وضابط، بعضهم من رتب عالية، إضافة إلى عدم تمكينه من السيطرة، العسكريّة الكاملة على غزة، لمنع المقاومة، من إطلاق صواريخها باتجاه المواقع العسكرية، أو المستوطنات الصهيونية، وهو المشهد اللبناني الذي يتكرّر في غزة، التي استعصت على العدو الإسرائيلي، الذي يفتش عن نصر عسكري، لن يحصل عليه، كما يقول قادة "حماس" والمقاومةالتي أعدت له مفاجآت، إذا ما استأنف الحرب، التي وعد قادته بأنها مستمرة، وستكون مكلفة جدًّا عليه، لأنّ تجزئة الحرب ليست لصالح الجيش الإسرائيلي، الذي يُلاقي صعوبة في البقاء بوحل غزة، وتخاض ضده حرب عصابات، لم يألفها في حروبه السابقة، وهي التي كلفت جيوشًا غيره، الانسحاب من دول، كما فعلت أميركا في فيتنام والعراق وأفغانستان ولبنان ودول أخرى، وهذا ما سينطبق على الجيش الإسرائيلي الذي يقول وزير الدفاع الصهيوني يواف غالانت، بأن الحرب على غزة، قد تطول لنحو عام، وإذا قصرت فلن تدوم لأكثر من شهرين، وهذا وقت مكلف للكيان الصهيوني عسكريًّا وسياسيًّا وماليًّا واقتصاديًّا، حيث يتعرّض نتنياهو لحملة سياسية تدعوه إلى الاستقالة أو إقالته، ثمّ محاكمته، إذ يحمله أهل الأسرى والعسكريين الإسرائيليين مسؤولية ما حل بهم، لجهة التقصير السياسي والأمني والعسكري، حيث سبق لرؤساء حكومات إسرائيليين أن استقالوا، وهذا ما فعلته غولدامئير بعد حرب تشرين عام ١٩٧٣، وصدر تقرير يتّهمها بالتقصير ويدينها، وأيضاً مناحيم بيغن وأرييل شارون وايهود أولمرت، الذين خسروا معارك عسكرية مع المقاومة في لبنان وفلسطين.
فما بعد الهدنة الإنسانية الأولى سيستمر نتنياهو بالحرب، كما وعد لكنه إذا ذهب إلى هدنة ثانية لتبادل الأسرى، فإنه سيكون أعلن انتهاء الحرب أو وقفها، لأن الإدارة الأميركية، لن تبقى داعمة له، وقد انتهت فرصة السماح التي أعطيت له للقضاء على "حماس"، ولم تعد الحكومات الداعمة لإسرائيل تستطيع أن تقف ضد شعوبها، التي تحرّكت لوقف حرب الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني، الذي سيحصد نتائج إيجابية، في أي حلّ سياسيّ، لن يكون على حسابه، إذا ما أحسن قادة المقاومة إدارة الملفّ السياسي.

