رأفت حرب – خاص "الأفضل نيوز"
يبقى للهدنة الّتي انطلق تنفيذها يوم الجمعة مفاعيل عدة على سياق الحرب حتّى لو أخطأت التّوقّعات بأن تتمدّد هذه الهدنة مرّة بعد مرّة حتّى تصبح وقفًا لإطلاق النار بواقع الحال، ويمكن تعداد التأثيرات في هذا المجال كالتالي:
أوّلًا، فتح الباب أمام الضغوط الدولية للوصول إلى هدن جديدة لأسباب مختلفة، بعضها قد يكون إنسانيًّا بحتًا، وبعضها لا بدّ أنه سيتعلّق باستكمال عمليّات التبادل، ذلك أنه من المستبعد أن تُفرغ المقاومة الفلسطينية أيديها من الأسرى الإسرائيليين من دون إفراغ السجون الإسرائيلية من الأسرى الفلسطينيين.
ثانيًا، إظهار الوجه الحقيقي للمقاومة الفلسطينية، ودحض الدعاية الإسرائيلية التي جهدت على تصوير المقاتلين الفلسطينيين على أنهم رجال شرسون يستهوون قتل المدنيين وذبح الأطفال، حتى ولو كان ذلك بناءً على صور مزيّفة ومركّبة باستخدام الذكاء الاصطناعي.
عندما توثًق وسائل الإعلام، حتّى الإسرائيلية منها، خروج الأسرى الإسرائيليين بصحة جيّدة، مقابل الحالة المزرية الّتي عاشها الأسرى الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية، وعندما يسارع بعض الأسرى الإسرائيليين المفرج عنهم للتعبير عن الامتنان للمقاومة الفلسطينية على معاملتها، حتى أنّ إحداهنّ لوّحت بيدها مودّعة أهل غزّة قبل أن تغادر إلى الأراضي المحتلّة، ستظهر أكثر فأكثر الصورة الحقيقية التي تفرّق بين من يقف على الحق ومن يقف على الباطل.
ثالثًا، سيفتح نجاح عمليّات تبادل الأسرى خلال الهدنة الباب واسعًا أمام ممارسة المزيد من الضغوط من قبل عائلات الجنود والضبّاط الإسرائيليين لإعادتهم. هنا تجدر الإشارة إلى أنّ خروج هؤلاء الضباط والجنود من الأَسْرِ سيُؤجَّلُ إلى النهاية، حيث سيكون الثمن في المقابل أكبر لصالح الفلسطينيين، وبالتالي لن يبقى مفتاح التبادل عندها "واحد مقابل ثلاثة"، وهو أمر لا بدّ منه لإفراغ السجون الإسرائيلية من الأسرى الفلسطينيين. أما الآن فتُعطى الأولوية لتبادل النساء والقاصرين والمدنيين، ويبقى تبادل العسكر الصهاينة بالمقاومين إلى النهاية.
نجاح عمليّات التّبادل سيُبرز للعالم مصداقية فصائل المقاومة الفلسطينية، كجهة تحترم وعودها وتملك قرارها وتتحكّم بما تنوي فعله.
رابعًا، عودة النازحين من أهالي غزة إلى شمال القطاع، وهو ما يصيب المخطّط الإسرائيلي للاجتياح البرّي بمقتل حسّاس، حيث يُعتبر تهجير أهل شمال غزة إلى الجنوب بمثابة خطوة لا مفرّ منها لتحقيق تقدًم على الأرض.
عودة المدنيين هذه، التي بدأت بالفعل بالآلاف منذ الساعات الأولى للهدنة، تعيد جهودًا عسكرية إسرائيلية كثيرة إلى نقطة الصفر، وتذكّر بما حصل في جنوب لبنان في 4 آب 2006، عندما عاد اللبنانيون سريعًا إلى قراهم الجنوبية، بعد أن أدركوا وجود رغبة سياسية داخلية وخارجية بإبقاء الجنوب فارغًا حتى تُحرم المقاومة من بيئتها الحاضنة.
المشهد نفسه يتكرّر اليوم في غزّة، ولا شكّ أنّ النتائج أيضًا ستتكرّر.

