يحيى الإمام _ خاص الأفضل نيوز
إنّ خيارَ "حلّ الدّولتين" الذي رفضه العرب والمحتلّون الإسرائيليون على حدٍّ سواء بعد هزيمة عام 1967 قد عاد اليوم وبقوّة إلى الواجهة كثمرة من ثمار طوفان الأقصى الوافرة ، وعادت الإدارة الأميركية إلى تبنّيه، على لسان بايدن بالأمس، وكذلك وزير خارجية بريطانيا، وغيره من ممثّلي قوى الاستعمار التقليدي، كحلٍّ للنّزاع يُطيل من عمر الكيان الصهيوني الغاصب لسنوات قادمة، بعد أن تنكّر له ترامب عام 2017 من خلال اعترافه بالقدس عاصمةً لإسرائيل خلافاً لقرارات الشرعية الدولية ولا سيما قرار مجلس الأمن رقم 242والقرارين الأمميّين 383 و 1397.
فالقرار 242 الذي كان تبنّيًا لاقتراح المفكّر نعوم تشومسكي، والقاضي بإقامة دولتين عربية وعبرية، بحيث تقوم الدولة العربية (فلسطين) على مساحة 22٪ من أرض فلسطين التاريخية وتكون عاصمتها القدس الشرقية، وتقوم "الدولة " العبرية على مساحة 78٪ من فلسطين وتكون عاصمتها " تل أبيب "، قد صدر عن مجلس الأمن الدولي بعد هزيمة مصر عام 1967 ونصّ على ضرورة انسحاب الجيش الإسرائيلي من (أراضي) الّتي احتلّت في الرابع من حزيران عام 1967وقد وردت كلمة (أراضي) بدون أل التعريف لتفتح باب التأويل على قصد آخر.
كما دعا هذا القرار إلى إنهاء جميع "حالات الحرب" واحترام سيادة كلّ دولة في المنطقة مع الاعتراف المتبادل فيما بينها، وحقّها في أن تعيش بسلام في نطاق حدود مأمونة ومعترف بها متحرّرة من أعمال القوّة أو التّهديد".
وقد ركّزت إسرائيل في مطالبها على تطبيق الجزء الثاني من القرار، حيث ما فتئت تُطالب بالاعتراف بها وضرب المقاومة التي تهدّد أمنها.
وإسرائيل التي يلوّح بعض قادتها بين حين وآخر بقبولهم بحلّ الدولتين، ما لبثت على الأرض تكرّس عكس هذا السيناريو برفضها المُطلق وقف الاستيطان والعودة لحدود 4 يونيو 1967، وتأكيدها على عدم التّنازل عن القدس، وحتّى تصوّرها للدولة المستقبلية لفلسطين يتلخّص بخلق كيان محاصر منزوع السلاح يعيش على الحصار المستمر والدائم.
لعلّ الرّفض الإسرائيلي لتطبيق هذا القرار والتّنازل عن القدس الشرقية بالحدّ الأدنى يفهمه كلّ باحث عن الحقيقة بأنّها لا يمكن أن توقّعَ صكًّا يهدّد وجودها ويكذّبَ مزاعمها التاريخية أو يناقض أكاذيبها في التّخلّي عن حائط البراق مثلاً أو هيكل سليمان أو يحدّ من مشروعها التّوسّعي الاستيطاني، ولو برّرت أسباب الرّفض في الخوف على أمنها وبقائها في المنطقة.
وإذا كانت هذه مبرّرات إسرائيل، فإنّ الرّفض العربيَّ جاء عاجلاً على لسان الرئيس الرّاحل جمال عبد الناصر في قمة الخرطوم بعد نكسة الخامس من حزيران عام 1967، حين أطلق لاءاته الثّلاث: (لا صلحَ ولا اعترافَ ولا مساومةَ على أيّ حقّ من حقوق الشعب الفلسطيني)، فلا يحقّ لأحد أن يقرّرَ عن شعب فلسطين مصيره، ولا يحقّ لأحد أن يتنازل عن أيّ شبرٍ من أرض فلسطين، وحتّى لو وافق الفلسطينيّون في غفلة من الزّمن وفي غير عصر المقاومة والشّموخ والإباء، فإنّ المقدّسات في فلسطين هي وقف للمسلمين والمسيحيين في كلّ أرجاء الأرض وإنّ أيّ تنازل عنها أو تصرّف فيها يحتاج إلى موافقة مسبقة منهم جميعاً، وحسنًا قال وزير خارجية إيران حسين أمير عبد اللهيان بالأمس وفي معرض ردّه على سؤال حول "حلّ الدولتين" عبر قناة الجزيرة القطرية: "إنّنا نؤكّد على حقّ الشّعب الفلسطيني بالسّيادة على كامل تراب فلسطين التاريخية، وله الحقّ وحده دون سواه أن يقرّر ما يريد ... "
وأمّا سبب الرّفض المبدئيّ العربيّ فينطلق مرّةً أخرى من ممارسات الصّهاينة العدوانية في مجازرهم المتكرّرة والّتي لن يكون آخرها ما يرتكبونه من جرائم في غزة هاشم، فالصهيوني هو عدوّ الإنسانيّة جمعاء، وهو الّذي لا يؤمَن جانبه ولا يحسن جواره، ولا يقيم أيّ وزن لتعاليم الدّيانات السّماوية أو القيم الإنسانية أو المواثيق والقوانين الدولية، وبالتالي فلا يمكن التّعايش في منطقة واحدة أو كرة أرضيّة واحدة مع عدو مجرم حاقد عنصري كالعدو الصهيوني لأنّ وجوده في الأرض خطر على البشرية كلّها، ولا ينبغي إلّا التّخلّص منه، وهذه قناعة راسخة لدى كلّ أحرار الأرض.

