مهدي عقيل - خاصّ الأفضل نيوز
بعد نجاح مثلث الوساطات القطرية، المصرية والأميركية، في تحقيق هدنة مؤقتة في قطاع غزة وتبادل للأسرى، والتي اعتبرها كثيرون بمثابة النزول الأول عن شجرة الأهداف الإسرائيلية الطموحة وغير المتواضعة، والتي لم يتحقق منها شيئاً بعد انقضاء ثمانية وأربعين يوماً من القتال الضاري، سواء لناحية القضاء على حركة "حماس" أو تحرير الأسرى بالقوة. وعليه، من الجدوى بمكان، تحديد الأسباب الرئيسية التي أوصلت العدو إلى القبول بها صاغراً؛
الأول: الميدان الذي برِع فيه رجال "القسام" وأظهروا استعداداً وقوةً استثنائية في مواجهة جنود العدو الفاقدين للقوة وللفاعلية وللروح القتالية، وكبّدوهم خسائر بشريّة وماديّة كبيرة، وزاد من حراجة العدو تصوير تلك الاستهدافات المحققة في أليات العدو وجنوده عن طريق الإعلام الحربي لدى "القسام".
هذا ما دفع مجلس الحرب المُصغر (الكابينت)، ومن ثم حكومة الاحتلال إلى القبول بالهدنة لأربعة أيام قابلة للتمديد إذا ما أقدمت "حماس" على الإفراج عن المزيد من الأسرى لديها في اليوم الخامس للهدنة أو في الأيام التي تليه، كونها تُمسك بمعادلة مفادها؛ الإفراج عن كل عشرة أسرى إسرائيليين يقابله 24 ساعة من التهدئة.
الثاني: ضغط عائلات الأسرى على حكومتهم من خلال المظاهرات التي ملأت شوارع تل أبيب وغيرها من المدن، وأمام المقرات الحكومية، وقد تبيّن تأثير هؤلاء في اليوم الثاني للهدنة عندما تعثّرت لبضع ساعات، حيث عادوا إلى الساحات وأجبروا القيادة السياسية على الرضوخ للوساطة المصرية والقطرية لمعاودة السير في الهدنة وإطلاق سراح الدفعة الثانية من الأسرى الفلسطينيين.
الثالث: تَفلّت الإعلام العبري من الانضباطية بهكذا ظروف، وتجاوز الخطوط التي ترسم إليه عندما تكون الأمور على تماس بالأمن القومي الإسرائيلي، إذ ناصر عائلات الأسرى وقام بتظهير فشل الحكومة لناحية استعادة أبنائهم.
الرابع: اضطرّت الولايات المتحدة تحت تأثير الشارع الأميركي إلى فعل شيء ما لإيقاف حمام الدم في غزة، وكانت الهدنة الطريق الأيسر من وقف إطلاق النار غير المستساغ حتى اليوم لدى القيادة الإسرائيلية والأميركية أيضاً. إضافة إلى المواقف الأوروبية التي دعمت هذا التوجه، لا سيما أسبانيا وبلجيكا.
ولا شك أن الحكومة الإسرائيلية في الأصل وافقت على الهدنة مُرغمة، لكن كانت تُكفِّر أو تبرّر موافقتها بأنها ستعاود الهجوم على غزة. إذ وصف رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو الادعاء بأنه ما يشاع بعد الهدنة لإعادة مخطوفين، نحن (الإسرائيليون) سنوقف الحرب ب "الترهات". وبطبيعة الحال، سيكون نتنياهو أول المؤيدين والداعين لاستكمال الحرب، لأنه في اليوم التالي للحرب سوف يذهب إلى بيته لتبدأ محاكمته في قضايا فساد هو وعائلته، والتي تأخرت كثيراً، وأُضيف إليها الإخفاق المريع للقوات العسكرية والأمنية في 7 تشرين الأول/أكتوبر الماضي.
ومثله الوزير بيني غانتس، هو الآخر أعلن: "حتى لو كانت هدنة لأجل إعادة مخطوفين – نحن سنعود ونضرب العدو بكل القوة". وبدوره، وزير الدفاع يوآف غالانت قال: "لاحقاً، المفاوضات مع حماس لن تكون إلا تحت النار". بمعنى، أن استئناف الهجوم على غزة حاصل لا محالة بذريعة إن الحرب ستستمر لأجل تحقيق الأهداف: عودة أسرى الاحتلال، تصفية حماس وإعادة الأمن. وكأنهم لم يقرأوا الميدان، لا من قريب ولا من بعيد، الذي أنهك قواتهم العسكرية، خصوصاً بعد تسجيل مئات حالات الفرار في الجيش الإسرائيلي.
وقد استفتى المحلّل السياسي في هآرتس، يوسي ميلمان، معظم المُنسّقين السابقين لشؤون الأسرى والمفقودين، الذين شغلوا هذا المنصب طوال الأربعين عاماً الماضية، وأتت تصريحاتهم متوافقة على "أن الوقت ليس في مصلحة إسرائيل، وأن مَن يحدد هوية الذين يتم إطلاق سراحهم، ومتى يُسرَّحون، وبأي وتيرة يجري ذلك، هو يحيى السنوار، ولذا، فلا خيار أمام إسرائيل سوى الدفع قدماً في اتجاه المفاوضات والعمل على إطلاق سراح المخطوفين على مراحل".
وكان أبرز تصريح لهؤلاء المسؤولين السابقين عن الأسرى لجهة إمساك السنوار بملف الأسرى، لحجاي هداس، بقوله: "لقد تعرفت إلى الرجل (السنوار) من ملفاته التي قرأتها، بعد الاستعانة بخدمات بجهاز الشاباك وضابط الاستخبارات في مصلحة السجون، وما من شك لديّ في أن السنوار لن يستسلم قط، وأنه سيقاتل حتى الرصاصة الأخيرة. ولو وافق السنوار، أو غيره، على تسوية ما، يستسلمون بموجبها، فما من أحد سيجرؤ على مخالفة محمد الضيف، الذي يعدّ هو بوصلة القتال، والذي تُعقد لديه راية "حماس"، والذي سيرفض الاستسلام. ولو مات الرجل، فسيرغب في أن يترك خلفه مثالاً حياً، شخصية تشبه شخصية المخلّص في تاريخ الفلسطينيين، وإرثاً يتمثل في كونه هو مَن تسبب بإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين".
باختصار، إسرائيل في حيرة من أمرها لا تحسد عليها، لا إمكانية البتة من تحرير أسراها بالقوة، ولا سبيل أمامها سوى المفاوضات، سواء فيما خص الدفعات التي جرى الاتفاق عليها، أو فيما خص الأسرى الباقين في الانفاق، ولربما هؤلاء الأسرى موجودون تحت أقدام ضباطهم وجنودهم في شمال غزة. و"حماس" لا يمكن أن تقبل بأقل من تبييض السجون الإسرائيلية وفرض شروط أخرى على مستوى قطاع غزة والضفة الغربية أيضاً، مقابل الإفراج عن أسرى العدو، إنها فرصتها الأخيرة، والتي قد لا تتكرَّر مرة ثانية.

