ثمة مقاربة خاطئة في الغرب الأمريكي والأوروبي وفي اسرائيل لما يتم ترداده مؤخرا حول ’’اجتثاث حماس‘‘ والدمج بينها وبين ’’داعش‘‘. وإذا رجعنا في الذاكرة قليلا فنجد اعترافا من هيلاري كلينتون أن داعش كانت ’’صناعة أميركية‘‘ ترمي إلى تمزيق العالم العربي وإلى زرع خلافات إسلامية – إسلامية. وهذه ليست حال ’’حماس‘‘ التي تعتبر أن هدفها مواجهة الإحتلال الاسرائيلي لفلسطين. ومن هنا فإن نظرية التطابق بين ’’حماس‘‘ و ’’داعش‘‘ سقطت وهي أساسا في غير مكانها وأنتجت معادلة جديدة هي ’’التماهي بين حماس والشعب الفلسطيني‘‘، وإن كان هناك ’’حرص أمريكي‘‘ عليها بعد الدعوات الأمريكية والاسرائيلية إلى اجتثاث ’’حماس‘‘ وهو ’’اجتثاث‘‘ غير ممكن بعد ’’صمود غزة‘‘ وعجز الاحتلال الاسرائيلي عن تحقيق أهدافه الأساسية سواء في تهجير الفلسطينيين إلى سيناء أو ’’تحرير الرهائن‘‘ بالقوة العسكرية وحتى في استبعاد التفاوض.
والملاحظ أن ’’حماس‘‘ تبدي تعاطفا مع ’’حركة فتح‘‘ على حساب السلطة الفلسطينية.
والسؤال حاليا ماذا يعني هذا ’’التماهي‘‘ بين ’’حماس والشعب الفلسطيني‘‘. وما هي الحسابات إزاء ذلك؟
’’نظرية التماهي‘‘ كانت نتاجا لعدد من العناصر على رأسها ’’عملية طوفان الأقصى‘‘ التي فرضت إعادة القضية الفلسطينية إلى الواجهة وإلى اعتبارها القضية الأولى عالميا.هذا أولا.
وثانيا السياسة الوحشية التي اتبعتها الآلة العسكرية الاسرائيلية في التهجير القسري والهدم وقتل الأطفال والنساء ومخالفة القانون الدولي الإنساني كل ذلك كان له انعكاساته في الرأي العام الغربي الأمريكي والأوروبي ما أحرج دول الغرب وخلق شقوقا عميقة تجلت في التظاهرات الشعبية التي طالبت بوقف النار وإدانة الإعتداءات الاسرائيلية.
وثالثا، اعتراضات أهالي الأسرى الاسرائيليين على سياسات حكومة اليمين الديني اليهودي في موضوع الأسرى وإعطائهم الأولوية للتفاوض على العمل العسكري ولو كان ذلك ينتهي بتحرير كل الأسرى الفلسطينيين من السجون الاسرائيلية.
ورابعا المأخذ على السطة الفلسطينية من أنها قبل ’’طوفان الأقصى‘‘ لم تضغط لتحرير أكثر من خمسة آلاف معتقل فلسطيني في السجون الاسرائيلية.. كما أنها لم تشارك في دعم الإنتفاضات الفلسطينية في الضفة والقدس رغم وجود ما يزيد على ستين ألف جندي فلسطيني لدى هذه السلطة على ما تقول مصادر ’’حماس‘‘.
من هنا وارتكازا على هذه العناصر الأربعة وغيرها كان الجواب الفلسطيني الشعبي على مطلب ’’اجتثاث حماس‘‘ المزيد من التعاطف معها ما جعلها سيدة التفاوض وما جعل من قائد كتائب القسام محمد الضيف رمزا فلسطينيا صاحب قرار وهيبة بل صاحب ’’تفويض فلسطيني‘‘ لا يمكن الاستغناء عنه.
إزاء هذه الصورة كيف تتعاطى ’’حماس‘‘ مع ’’تماهي‘‘ الشعب الفلسطين معها؟
على ما تقول مصادر ’’حماس‘‘ أنها تراقب المتغيرات وخصوصا على صعيد الرأي العام الغربي كما في دور الاعلام وكما في حساباتها العسكرية وكونها في غزة من فوق وغزة من تحت ومن يرى الأمور من تحت ليس كمن يراها من فوق. وهذا يستتبع أخذ الأمور برؤية يمكنها التعامل مع الواقع من دون المساس بالأساسيات. وهكذا يمكن الاستنتاج بأن ’’حماس‘‘ تقارب بايجابية فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس. وكذلك فكرة الدولتين التي تطرحها واشنطن والتي تجد مساندة من ’’الاتحاد الأوروبي‘‘ باعتبار أن إقامة الدولة الفلسطينية هو الذي يأتي بالسلام إلى المنطقة.
في قراءة المتغيرات لا تُسقط ’’حماس‘‘ الحسابات الأمريكية حول عدم توسيع رقعة الحرب وتجد في ذلك منفذا إلى ’’وقف الحرب‘‘ ومدخلا للنقاش حول مستقبل غزة والسلطة الفلسطينية وحكومة اليمين الديني اليهودي سيما وأن معادلة عدم توسيع رقعة الحرب يحتم غلبة المنطق الأمريكي على المنطق الاسرائيلي الذي يرتكز إلى الإبادة والتهجير وتوسيع رقعة الاستيطان الجغرافية. وهو ’’منطق‘‘ اليمين الديني الاسرائيلي الذي يرمي إلى إقامة دولة يهودية دينية خالصة.
وفي الإستنتاج الطريق إلى الدولة الفلسطينية مملوء بالحفر في المدى الزمني القريب والمتوسط. والأرجح فتح الباب أمريكيا أمام التسهيلات الإنسانية للفلسطينيين وضبط الجموح العسكري الاسرائيلي والعمل على تفعيل العلاقة مع دول الإعتدال العربي واستطرادا الاستمرار بسياسة احتواء النفوذ الايراني مصحوبة بانفراجات مدروسة في مرحلة التحضير للإنتخابات الرئاسية الأمريكية.
عبد الهادي محفوظ

