خليل حرب - خاصّ الأفضل نيوز
مرَّ مرورَ الكرام التصويت الذي جرى في الجمعية العامة للأمم المتحدة الثلاثاء الماضي، على قرار يدعو إلى انسحاب إسرائيل من هضبة الجولان السورية المحتلة منذ العام 1967، وذلك في خضم انشغال العالم، بالحرب على غزة والضفة الغربية.
صحيح أن القرار، وهو غير ملزم، قد تم تمريره بأغلبية 91 دولة، إلا أن ما يجب التوقف عنده مربتط بالدول التي عارضته، لكن الأخطر يتعلق بالدول التي امتنعت عن التصويت، برغم أن نص القرار يستخدم عبارات مبدئية عامة وتستند إلى قرارات رسمية صادرة عن الامم المتحدة من قبل، وتحديدا من جانب مجلس الامن الدولي، الهيئة الأعلى نفوذا في المنظمة الدولية.
فاذا كان من الطبيعي أن تجد إسرائيل بين المعارضين، باعتبارها دولة الاحتلال الفعلية، فانه يجب ألا يكون طبيعيا أن تجد ايضا إلى جانبها الولايات المتحدة واستراليا وكندا وبريطانيا (إلى جانب دويلات صغيرة مثل بالاو وجزر مارشال وميكرونيزيا التي اعتادت تقليديا التصويت إلى جانب واشنطن وتل ابيب).
فوجود الولايات المتحدة في صف المعارضين للقرار يفترض ألا يصبح مسلما به لا عربيا ولا دوليا، ذلك إن واشنطن منذ أن قرر الرئيس الاميركي السابق دونالد ترامب بـ"شخطة قلم" تسليم الهضبة السورية لإسرائيل وكأنها "هدية" في العام 2019، أصبحت فعليا في حالة انقلاب على كل قرارات الامم المتحدة ومجلس الامن الدولي والجمعية العامة، وبمعنى آخر، فإن البيت الابيض ووزارة الخارجية المجاورة له في مبنى هاري ترومان في حي فوجي بوتوم في واشنطن، أصبحتا هما من تقرران تحديد "الشرعية" و"السيادة" للدول والاراضي، لا المنظمة الدولية المشكلة افتراضيا من أجل هذا الغرض.
والنص الذي تبنته الجمعية العامة لا يتضمن التباسات ولا ينطوي على غموض، إذ يقول بوضوح :"إن أعضاء الأمم المتحدة قلقون للغاية إزاء عدم انسحاب إسرائيل من الجولان السوري الذي تم احتلاله منذ عام 1967 خلافاً لقرارات مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة ذات الشأن".
والسؤال هو، إذا كانت واشنطن تطبق قرارا اتخذه ترامب خلال عهده (وبالمناسبة "منح" إسرائيل أيضا السيادة على القدس واعترف بها كعاصمة لها)، فما الذي يجعل دولا مثل واستراليا وكندا وبريطانيا تعترض على نص كهذا؟ وبالتحديد لندن التي تبدو كأنها لم تكتف بدورها التاريخي بخرائط التقسيم في المنطقة في القرن الماضي، وتظهر حنينا لاستكمال الدور التخريبي هذا من جديد، فيما يتصرف دبلوماسيو كندا و استراليا في المنطقة العربية عموما، وكأنهما من ابنائها.
الجانب المثير للاشمئزاز أيضا يتعلق بالدول التي امتنعت عن التصويت وهي 62 دولة. ستجد في هذه اللائحة الدول الاوروبية مثل ألمانيا، فرنسا، اليونان، المجر، ايسلندا، سلوفينا، سلوفاكيا، ايرلندا، ايطاليا، بلغاريا، بلجيكا، البوسنة، النمسا، السويد، سويسرا، رومانيا، بولندا، البرتغال، هولندا، وقبرص وغيرها. ومن العجائب أيضا أنك ستجد دولا مثل ساحل العاج والاورغواي واوكرانيا وصربيا والبانيا واليابان وكينيا وتوغو وجنوب السودان.
بين هذه الدول من يتمتع بعلاقات عربية قديمة وعميقة بما في ذلك مع دمشق تاريخيا، ومصالح اقتصادية واسعة، لكنها لم تجد حرجا في "امتناعها" عن المطالبة بانسحاب قوة الاحتلال من أرض محتلة.
قد يبدو هذا الكلام عبثيا بعدما انفضحت بشكل كبير، ازدواجية المعايير والمصالح والاخلاق في العالم، في ظل حرب الابادة التي سمح لإسرائيل بتنفيذها ضد الفلسطينيين طوال 49 يوما، بل طوال 75 سنة.
لكن لا بد من التنبه لنقطتين:
الاوروبيون لم تعد تتملكهم مشاعر حرج في التغاضي عن احتلال الارض العربية، ما قد يقود تدريجيا إلى تبنيهم مبدأ "السطو الترامبي"، والاقرار لاحقا ب"يهودية" الجولان.
ثانيا، إنه قبل 5 شهور بالتمام، حذرت لجنة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بالتحقيق في الممارسات الإسرائيلية التي تؤثر على حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني وغيره من العرب في الأراضي المحتلة، في ختام زيارة سنوية إلى المنطقة، من أن عدد المستوطنين الإسرائيليين في الجولان السوري المحتل، تخطى للمرة الأولى (منذ احتلال الهضبة السورية العام 1967 ثم ضمها فعليا في العام 1981)، عدد المواطنين السوريين الأصليين.
هاتان رسالتان لمن يهمه الامر..

