عبد الحميد شبلي - خاص الأفضل نيوز
في السابع من أكتوبر كان العالم على موعد مع طوفان بشري هادرٍ جارفٍ أمامه جحافل الطغيان وآلته العسكرية والاستخباراتية والتكنولوجية.
من عمق الآلام والظلم والعدوان تفجّر هذا الطوفان براً وبحراً وجواً حاملاً على أمواجه العاتية رجالاً صدقوا ما عاهدوا الله عليه مزلزلين أركان الكيان الغاصب، ومعاهدين بأن لا يتوقفوا إلا بسقوطه وزواله.
وبعد أن استفاق العدو من هول ما حدث جنّ جنونه وراحت طائراته ترمي بحممها على أهلنا في غزة فتقتل أطفالهم ونساءهم وشيوخهم، وانبرى ساسته بالتعاون مع الادارة الامريكيه، يعلنون للعالم ان المقاومة في غزة هي "داعش" ثانية وينبغي مواجهتها والتخلص منها باعتبار الاسرى من الصهاينة نساء وأطفالاَ لا عسكريين، قبلَ أن تنكشفَ الحقائق الدامغة للعالم بأسره، وما كان ذلك إلا كي يبرروا للرأي العام العالمي تدمير غزة وقتل الأطفال والنساء بل ذهبوا إلى أكثر من ذلك حين نشروا عبر وسائل إعلامهم فيديو لأطفال مقطوعة الرؤوس كذبا وزوراً، ولكن المقاومة كانت لهم بالمرصاد وكشفت كذبهم وخداعهم ما اجبر الإدارة الأمريكية على التراجع والاعتراف بعدم صحة ذلك الفيديو، وبدأت الحرب الإعلامية وانبرى الإعلام الحربي للمقاومة بتصوير جرائم القصف وجثث الاطفال والنساء وهدم البيوت على اهلها العزل ونشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتناقلها الاحرار العرب ونشروها في كل انحاء العالم مما دفع الاحرار في كل مكان إلى التظاهر مندّدين بالجرائم الصهيونية ومطالبين بوقف الحرب على غزة من واشنطن إلى باريس ولندن وبرلين وغيرها من المدن الامريكية والأوربية وحتى يهود الولايات الأمريكية تظاهروا في عدة مدن وطالبوا الصهاينة بقولهم : "لا تقتلوا الفلسطينيين باسمنا" وطالبوا أيضاً بوقف العدوان على غزة.
وقد أخذت هذه المظاهرات تزداد وتتّسع وتنتشر في جميع انحاء العالم مع ازدياد الضحايا وتدمير المشافي وسيارات الإسعاف والمساجد والمدارس وقطع الكهرباء والماء والانترنت عن غزة، فازداد غضب الشعوب الحرة في العالم وراحت تطالب حكوماتها بالضغط على الصهاينة المجرمين لوقف الحرب وإنهاء العدوان الهمجي من منطلقات إنسانية بحتة.
وتعبيراً عن حسن نوايا المقاومة واستعدادها لتبادل الاسرى فقد أطلقت سراح سيدة وطفلها دون مقابل وكانت المفاجأة المزلزلة للكيان ما صرحت به هذه الأسيرة عن حسن معاملة المقاومه لها ولطفلها وتأمين كل احتاجاتهما الشخصية والتعامل بإنسانية واحترام معهما، فعمت المظاهرات المدن الفلسطينية المحتلة تطالب الحكومة الصهيونية بالإفراج عن بقية الأسرى بل راحت تطالب باستقالة نتنياهو لفشله في التعاطي مع الازمة.
لقد استطاعت المقاومة في غزة أن تهزم أكبر وأعرق وكالات الأنباء في العالم في تبيان حقيقة الكيان الغاصب الاجرامية ودحض مزاعمه في انه كيان ديقراطي حر وحضاري، و استطاعت أن تظهر للعالم من خلال تعامل مقاتليها مع الاسرى وفق احكام الشريعة الإسلامية أن الشعب العربي شعب حضاري وانساني وان الدعاية الصهيونية لا أساس لها من الصحة.، وقد تمكّنت بحكمتها أن تنتصر انتصارا ساحقا في ميدان الإعلام إلى جانب صمودها الاسطوري عسكرياً، فغيرت الرأي العام العالمي وصحّحت المفاهيم المغلوطة ورسخت الحقائق والمفاهيم الصحيحة لدى معظم شعوب العالم، حتى أن المتظاهرين في انحاء العالم عبّروا عن غضبهم من ساستهم الداعمين للحرب على غزة وتوعّدوا بعدم انتخابهم في المرات القادمة لأنهم أعداء الإنسانية.
وتبين استطلاعات الرأي العام أن الناخبين من أعمار الاربعينيات وما دون هم بمعظمهم ضد من يكون داعماً للكيان الصهيوني الغاصب، بل واستطاعت المقاومه أن تؤثر في كثير من السياسيين و البرلمانيين في دول العالم، وأن تقنعهم بضرورة تعديل مواقفهم فراحوا يساندون القضية الفلسطينية ويطالبون هم أيضاً بوقف الحرب وينادون بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني المظلوم، وقد ظهر ذلك في الإدارة الأمريكية والفرنسية وفي دول الاتحاد الأوروبي،حتى أن اسبانيا وقفت إلى جانب غزة والشعب الفلسطيني، لا بل إن عددا من الدول قد تقدمت بدعاوى جرائم حرب ضد الكيان الصهيوني، ما أثار استياء العدو أكثر فأكثر.
نعم، وبكل اقتدار وحكمة لقد استطاعت المقاومة الفلسطينية أن تمسك بزمام الأمور اعلامياً لتثبت مقدرتها على ادارة المعركة على كافة المستويات، حتى أن بعض الناشطين والناشطات في مجال حقوق الإنسان قد أقبلوا على البحث في التراث الإسلامي والاطلاع على أحكامه وتعاليمه السمحاء بعد أن رأو ما رأوا من صبر الغزاويين وثباتهم وعنادهم في الحرب، وبعد أن اطلعوا على حقيقة الاسلام في أخلاقيات المقاومين وبحثوا عن سر تعامل المقاومين الإنساني مع الأسرى، وتأكدوا أنه لم يكن مصطنعاً من أجل استثماره اعلامياً بل كان نتيجة إيمان راسخ بأحكام الشّرع الإسلامي الحنيف.
لم يكن طوفان الأقصى عملاً عسكريا فحسب، بل كان انتصاراً اعلامياً ودعوياً ايضاً، ولا نبالغ إذا قلنا :لقد شهدت البشرية طوفانين، فكان الاول طوفان نوح عليه السلام حيث ارسل الله سبحانه وتعالى المطر مدراراً وفجر الأرض ينابيعَ ليغرق الظالمين ويطهرها من شرورهم، وكان الطوفان الثاني طوفان الأقصى ليطهر الأرض المباركة من رجس الصهاينة الأنجاس والمتخاذلين من العرب، وبهذا تكون المقاومة قد غيرت الرأي العام العالمي وفضحت مزاعم الصهاينة وقلبت السحر على الساحر.

