د. علي دربج _خاصّ الأفضل نيوز
في خضمّ الهجمة الغربية على "حركة حماس" في أعقاب عملية طوفان الأقصى في 7 تشرين الثاني الماضي وتجريمها و شيطنتها ووصمها بالإرهاب، كان لافتًا احتضان موسكو لحماس، وموازنة علاقة روسيا بين كل من الحركة والكيان الغاصب، دون الاضطرار إلى القطع مع أي منهما.
ففي حين أدانت موسكو ما أسمته قتل " المدنيين" وفي مستوطنات غلاف غزة، لم توفر بالمقابل إسرائيل من انتقادها العنيف لها، عبر مندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا، الذي قال "ليس من حق إسرائيل الدفاع عن النفس في الصراع الحالي، لكونها دولة احتلال".
بموازاة ذلك، فتح الكرملين، أبوابه لحماس حيث استقبل ممثليها بحفاوة بالغة، ضاربًا بعرض الحائط الأصوات الأمريكية والغربية المتعرضة، ومحملًا الولايات المتحدة مسؤولية الإبادة في القطاع، وتوتر الأوضاع في الشرق الأوسط برمته.
وكيف تعاطت روسيا مع عملية طوفان الأقصى؟
عمليًا، في البداية أعربت روسيا عن "قلقها" بشأن الهجوم لكنها لم تدين حماس. وبدلاً من تقديم مواساتها لإسرائيل، وجهت موسكو أصابع الاتهام إلى الولايات المتحدة والغرب، وألقت باللوم على واشنطن لعقود من الفشل في حل الصراع المستمر منذ فترة طويلة في الشرق الأوسط، كما اقترحت موسكو لعب دور الوسيط لإنهاء الحرب القائمة.
ليس هذا فحسب، ففي حين صُدّت أبواب معظم دول العالم أمام حماس باستثناء قلة قليلة من البلدان، بسطت موسكو السجادة الحمراء لوفد حماس. وعليه فسّر المراقبون هذه اللفتة الروسية، على أنها رسالة إيجابية لشعوب المنطقة وحركات المقاومة فيها، والتي أصبحت ترى بروسيا صديقا يتشارك معها أقله العداء والرفض للهيمنة الأمريكية في أكثر من منطقة من العالم. من هنا كان استقبال حماس، للتأكيد على أنهم ليسوا إرهابيين، مزعومين، إنما ضيوفًا مرحب بهم في الكرملين.
علاوةً على ذلك كانت عمليات الإفراج عن الأسرى الروس بحسب دبلوماسيين غربيين، بمثابة ردّ جميل لبوتين من قِبل حماس، وجعل بلاده شريكًا فاعلا في حلّ أزمة الأسرى، بعيدًا عن الوساطة التي تتولاها كل من الولايات المتحدة ومصر وقطر بشأن الأسرى ووقف إطلاق النار".
بالمقابل استفادت حماس أيضاً من الدعم السياسي والدبلوماسي الذي قدمته روسيا للحركة عبر دورها كعضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، حيث منع ممثلوها القرارات التي تقودها الولايات المتحدة ضد حماس وإدانتها في هذا المحفل الأممي.
وكيف استغلت موسكو الانفتاح على حماس لتحريرها الأسرى الروس؟
في خطوة، فاجأت العالم أجمع، وأججت غضبًا صهيونيًا وغربيًا وأوروبيًا على روسيا، زار وفد من حماس في أواخر تشرين الأول/أكتوبر ، موسكو التي سلّم دبلوماسييها للحركة، قائمة بأسماء ثمانية مواطنين روس ـــ إسرائيليين، محتجزين كأسرى في غزة، بهدف إطلاق سراحهم.
حينها ثمنت حماس تلك المبادرة الروسية، وقالت بلسان عضو مكتبها السياسي موسى أبو مرزوق في تصريح لوكالة ريا نوفوستي: بأن القائمة ستحظى باهتمام خاص، ونحن مهتمون للغاية بها وسنتعامل معها بعناية لأننا ننظر إلى روسيا باعتبارها أقرب صديق لنا". وأضاف أبو مرزوق "بمجرد العثور عليهم، سنطلق سراحهم."
المثير في الأمر، أن حماس لم تتأخر في الوفاء بتعهداتها، ففي 26 تشرين الثاني الفائت، جرى إطلاق سراح ثلاثة من الأسرى الروس الإسرائيليين. ومن بينهم روني كريفوي، 25 عامًا، وهو مهندس صوت كان يعمل في مهرجان الموسيقى في مستوطنات غلاف غزة التي اقتحمتها حماس .
وبذلك أصبح كريفوي أول رجل بالغ يحمل جواز سفر إسرائيلي يتم إطلاق سراحه مع اثنين آخرين من المواطنين الإسرائيليين ـــ الروس مزدوجي الجنسية الذين أفرج عنهم لاحقًا – وهم إيلينا تروفانوفا، 53 عامًا، ووالدتها إيرينا تاتي، 73 عامًا – مع أن معظم عمليات التبادل شملت النساء والأطفال، وهذا بدوره أعطى موسكو دفعًا كبيرًا في هذا الملف (أي الأسرى) بمعزل عن الوسطاء الحاليين.
أكثر من ذلك ، نسبت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، في منشور لها على تطبيق تلغرام ، الفضل في هذا الإفراج ــــ عن حامل جواز السفر الروسي كريفوي ـــ إلى "الاتفاقات المباشرة بين الممثلين الروس وحماس"، مؤكدة أن موسكو تعتزم الاستمرار بذلك.
وقالت زاخاروفا " نحن ممتنون لقيادة حركة حماس لاستجابتها الإيجابية لنداءاتنا العاجلة. وسنواصل السعي من أجل الإفراج السريع عن بقية الروس المحتجزين في قطاع غزة".
وما هو الهدف الروسي من الانفتاح على حماس؟
في الحقيقة، تشكل المعاملة الخاصة التي تلقاها الأسرى الروس، علامة فارقة تجاه تعاطي الكرملين مع حماس، وهو ما ظهر من خلال سعي روسيا إلى تقديم نفسها ـــ بالاستفادة من هذه العلاقة ـــ كقطب عالمي محوري، بإمكانها التواصل مع الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني، حتى لو عدّ ذلك اعترافًا بشرعية حماس، التي تُعتبر بنظر موسكو، ممثل لشريحة كبيرة ووزانة للشعب الفلسطيني، في وقت صنفتها غالبية الدول الغربية والأوروبية وحتى بعض البلدان الآسيوية ك"منظمة إرهابية".
وانطلاقا من هذه النقطة، ومنذ 7 أكتوبر/تشرين الأول، قارب بوتين مواقفه بعناية شديدة تجاه الأحداث الجارية في غزة، مع الأخذ في الاعتبار، العلاقة الاستراتيجية بين موسكو وإيران (حليفة حماس) والتي تعتبر كقوة إقليمية فاعلة ومؤثرة خصوصًا في ملف حرب غزة والفلسطيني.
وعلى المنوال ذاته، صحيح أن بوتين لم يمتنع عن إدانة حماس بعد الهجوم فحسب، بل لم يتصل على الفور برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي كان يعتبر لسنوات أحد أقرب أصدقائه بين زعماء العالم، لكن روسيا لا تستطيع تحمل خسارة إسرائيل.
من هنا، يدرج بعض المراقبين الغربيين والروس موقف بوتين في خانة الانتقام (الذي سيختفي مع تغير النظام السياسي الحالي بإسرائيل) من افتقار نتنياهو إلى الدعم الواضح للغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022، وكذلك كدليل على غضب موسكو من إسرائيل، لأنها وفرت اللجوء لآلاف الروس الذين فروا من حكومة بوتين في العامين الماضيين.
وما هو مدى تأثير موسكو على حماس؟
بينما أقامت موسكو علاقات مع الجناح السياسي لحركة حماس الذي يتخذ من قطر مقراً له، فإن الكرملين ليس لديه أي تأثير جدي فعلي، على الذراع العسكرية للحركة العاملة على الأرض في غزة، والذي سيقرّر وحده في نهاية المطاف، من سيطلق سراحه في المستقبل. كما أنه من غير الواضح أيضًا ما إذا كانت حماس تعرف حتى مكان وجود الأسرى المتبقين على القائمة الروسية، كونهم بعدة فصائل فلسطينية أخرى، وفقًا لتصريحات مسؤوليها.
ولهذه الغاية قال القيادي بحماس باسم نعيم: إن الأسرى الآخرين المدرجين في القائمة الروسية قد يكونون مفقودين على الجانب الآخر – أي إسرائيل. وأضاف: "لكن في حال التوصل إلى هدنة أخرى، سنواصل البحث، ومن الممكن إطلاق سراحهم".
في المحصّلة، إن ما فعلته حماس في 7 كان بمثابة هدية من السماء لبوتين، فمن جهة شغل واشنطن وأجبرها على وضع ثقلها الدبلوماسي في منطقة الشرق الأوسط، بعيدا عن القرم، وتسخير مواردها المالية والعسكرية، لإسرائيل بدلا من أوكرانيا. ومن جهة ثانية وهنا الأهم، أنها جعلت النظام الأمني الأمريكي وعلاقته بدول المنطقة، يواجهان الآن أصعب اختبار منذ سنوات، خصوصًا وأن الدعم والمشاركة الأمريكية بإبادة غزة، أديا إلى زيادة مشاعر العداء لواشنطن، بشكل غير مسبوق من قِبل الشعوب العربية والإسلامية أولا، وعدد كبير من دول الجنوب ثانيًا.

