أكرم حمدان –خاصّ"الأفضل نيوز"
منذ أيام وبعدما تجاوزت حرب الإبادة الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني في غزة، كل المواثيق والأعراف وما يُسمى بالقوانين الدولية وحقوق الإنسان، انتفض الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ووجه خطابا إلى رئيس مجلس الأمن يطلب فيه تفعيل المادة التاسعة والتسعين من ميثاق الأمم المتحدة.
وقال غوتيريش في تغريدة على موقع إكس:"في مواجهة الخطر الجسيم لانهيار النظام الإنساني في غزة، أحث مجلس الأمن على المساعدة في تجنب وقوع كارثة إنسانية وأناشد إعلان وقف إنساني لإطلاق النار".
وقد سارع إلى دعم موقف غوتيريش، مدير منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس في تدوينة له، أيضاً عبر منصة إكس، مؤكداً وجود حاجة للسلام من أجل الصحة لأن النظام الصحي في غزة على وشك الانهيار.
هذه المواقف ولو جاءت متأخرة من قبل مرجعيات عالمية، إنما تطرح الكثير من الأسئلة وعلامات الاستفهام حول مواقف بعض الدول الغربية والعربية التي تُتحفنا ببيانات الإدانة والتنديد وحماية حقوق الإنسان وبعضها يُفاوض من جهة ويُقدم الدعم المالي والتسليحي للاحتلال من جهة ثانية.
بداية ما هي المادة 99 وهل فعلا هناك صلاحيات للأمم المتحدة وأمينها العام يُمكن أن تتجاوز سلاح الفيتو الذي يكبل هذه المؤسسة الدولية؟؟
لقد مرت الكثير من المآسي والحروب وخصوصاً على منطقة الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية ولم نكن نسمع من الأمانة العامة للأمم المتحدة سوى الإدانة والقلق والخوف والشجب.
مضت عقود والفلسطينيون خصوصاً والعرب عموماً يعيشون تحت مقصلة القتل اليومي، ولم يتجاوز دور منظمة الأمم المتحدة كونها جمعية إغاثة إنسانية تعمل على توزيع الأدوية والغذاء على اللاجئين، وتبحث في تحديات المناخ.
فالمادة 99 من ميثاق المنظمة، الذي وُقع منتصف عام 1945،"تُنبه مجلس الأمن إلى أية مسألة يرى أنها تهدد حفظ السلام والأمن الدوليين".
وعلى الرغم من أنها مادة تنبيهية للخطر والسلم في العالم، لم يستخدمها قادة الأمم المتحدة سوى مرات عدة ومحدودة ،أولها في الكونغوعام 1960،ثم في باكستان عام 1971، وعام 1974 في قبرص، وعام 1979 خلال أزمة الرهائن، وعام 1980 خلال الحرب بين إيران والعراق ،وفي حرب ليبيريا الأهلية عام 2003، وفي لبنان مرتين، الأولى عام 1989 خلال ما سُمي بحرب التحرير، والثانية عام 2006 خلال عدوان تموز.
ومنذ أيام، استخدمها غوتيريش ومارس حقه الدبلوماسي، بعدما وصل خلافه مع إسرائيل إلى غير رجعة، حيث طالبته بالرحيل ووصفته بعدم كفاءته لقيادة المنظمة الدولية، ولأنه قال:"إن الشعب الفلسطيني يتعرض لـ56 عاماً من احتلال خانق". لكن هذا التفعيل والاستخدام للمادة 99 اصطدم بالفيتو الأميركي في جلسة التصويت، وعجز الأمين العام ومادته 99 عن التوصل إلى قرار لوقف إطلاق النارفي غزة.
إن ما جرى يقتضي التنويه بدور غوتيريش، الآتي من خلفية برتغالية إشتراكية، ومفوّض سامٍ سابق للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، والمناضل في سبيل الإنسانية وحقوق الأطفال، والذي يبدو أنه تأثر بمشاهد المجازر والمذابح التي ارتُكبت في فلسطين، في المستشفيات والكنائس والمدراس.
إن خطوة الأمين العام للأمم المتحدة الذي يستعد للرحيل في العام المقبل، والذي يبدو أنه لم تعد تعنيه مسايرة الولايات المتحدة أو غيرها، سوف تُدخله التاريخ مرفوع الرأس، مناصراً للإنسانية وللدماء الفلسطينية التي أزهقت، ولصاحب الأرض والحق، وللأطفال الذين خسروا حياتهم قبل أن تبدأ.
يبقى أن هذا الموقف لأعلى مسؤول أممي يطرح ضرورة إعادة النظر بالنظام العالمي القائم والمتحيز لمصلحة الشر والعدوانية والقتل وتحديداً منطق التصويت و"الفيتو" في مجلس الأمن الدولي الذي تمارسه الدول الكبرى ومنها من لم يعد له أي دور سوى الصدى للآخرين كبريطانيا وفرنسا مثلا.
نعم المطلوب نظام عالمي جديد يقوم على المساواة والعدالة الحقيقية وليس على منطق القوة والتعدي والإجرام والقتل كما هو الحال الآن.

