د. علي دربج- خاصّ الأفضل نيوز
تعيش القيادة الأوكرانية هذه الأيام، أصعب لحظات حياتها السياسية والعسكرية. فبعد حوالى 3 سنوات من الحرب الطاحنة مع روسيا، تكبد خلاله الطرفان، مئات الآلاف من القتلى والجرحى والمعوقين، أدركت كييف أن اللعبة شارفت على نهايتها، وبالتالي أصبحت معرضة لخطر الخسارة.
أما المفاجأة الكبرى، فهي أن هذه الحقيقة المرّة، جاءت على لسان أندريه ييرماك، أحد كبار مساعدي الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمام منتدى في واشنطن الأسبوع الماضي، حيث قال إن "الخطر الكبير" يتمثل في أن قوات كييف قد "تخسر هذه الحرب".
ما هي دوافع القيادة الأوكرانية لإطلاق هذه المواقف؟
في الواقع، لا تنبع حقيقة أن مصير أوكرانيا معلق في الميزان، ليس فقط من خلال عدم قدرتها على استعادة الأراضي التي احتلتها القوات الروسية، أو من مماطلة إدارة الرئيس جو بايدن في تزويد الجيش الأوكراني بالأسلحة التي يحتاجها، ولا حتى من عجز روسيا، بل يعد ذلك إلى سببين مباشرين آخرين:
الأول: معارضة الجمهوريين في مجلس النواب لمزيد من المساعدة الأمريكية. ولهذه الغاية يحتفظ المشرعون من الحزب الجمهوري بحزم الأسلحة المستقبلية كرهينة لمقايضة الرئيس جو بايدن، بقضية بعيدة نسبيا (عن أوكرانيا)، وتتمحور حول منع المهاجرين من عبور الحدود الجنوبية الأمريكية بشكل غير قانوني. وبناء على ذلك، يقف الجمهوريون في مجلس النواب الأمريكي في طريق هذه المساعدات وغيرها، والتي كانت إدارة بايدن، قد اقترحتها، وتبلغ قيمتها حوالي 61 مليار دولار، وهي تعتبر ضرورية لتعزيز قدرة كييف على الصمود في مواجهة القوات الروسية في ساحة المعركة.
أما السبب الثاني: فيرتبط بالمساعدات المقدمة من الاتحاد الأوروبي والمعرّضة للمنع أيضا، ولكن هذه المرة من قبل رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، الذي أصبح حصان فلاديمير بوتين المطاردة،
فأوربان يمارس حق النقض (الفيتو) المجري كعضو في الاتحاد الأوروبي حتى الآن. ويعمل بالتالي على عرقلة حوالي 54 مليار دولار لدعم الميزانية الأوكرانية التي من شأنها أن تساعدها في دفع فواتير حتى عام 2027. ليس هذا فحسب، لا يسهّل الرئيس المجري حتى الآن، المحادثات التي من شأنها أن تؤدي إلى عضوية أوكرانيا في نهاية المطاف في المجموعة المكونة من 27 دولة.
من هنا، من دون هذه المبالغ النقدية والأسلحة والذخائر، فمن غير المرجح أن يستمر حتى الوضع الراهن المخيب للآمال لأوكرانيا والغرب معا، خصوصا في أعقاب فشل كييف من استعادة الكثير من الأراضي.
ما هي عواقب هزيمة أوكرانيا على الغرب الأطلسي؟
عمليًّا، من المتوقع أن تهزّ رسالة أندريه ييرماك، صناع القرار السياسي على جانبي الأطلسي. إذ إن الخطر ـــ كما حذر أعلى جنرال في أوكرانيا علناً في الشهر الماضي ـــ لا يقتصر على مجرد الجمود. بل إن المشكلة بالنسبة للغرب هي أن القوات الأوكرانية، التي تعاني من نقص المعدات، قد تضطر إلى التراجع وتقصير خطوطها الدفاعية والتخلي عن الأراضي.وتعقيبا على ذلك، قال لي نيكو لانج، خبير الأمن الألماني في أوكرانيا: "سيكون ذلك بمثابة طريق العودة إلى أحلك أوقات الحرب".
الأكثر أهمية، أن هزيمة أوكرانيا، بقدر ما ستكون بمثابة كارثة استراتيجية للولايات المتحدة وحلفائها في حلف شمال الأطلسي، ستصبح أيضا، بمثابة لوحة من الرعب لأوكرانيا. فهناك كوارث مزدوجة، حدثت وبنفس القدر من القسوة، على جداول زمنية مختلفة.
هل أصبح الغرب مقتنعًا بخسارة أوكرانيا؟
يرى الخبراء العسكريون في حلف الناتو، أنه من غير المرجح أن يحدث انهيار عسكري كامل في أوكرانيا، على الأقل في الأشهر المقبلة. فالقوات المسلحة في كييف، ستبقى برأيهم تتمتع بقيادة ودوافع جيدة، كما يجري تزويدها بالمعدات اللازمة للاستعداد لمواجهة أي نقص،
ولكن بالمقابل، من غير المتوقع وقف إطلاق النار عن طريق التفاوض مع روسيا والذي من شأنه أن يحافظ على خطوط المعركة الحالية. فالاعتقاد بهذه النتيجة التي تبدو كمسكّن آلام، وهو إساءة بالحكم على بوتين - مرة أخرى. فبالنسبة لبوتين فإن "التسوية" تنطوي على إخضاع أوكرانيا وحلها كدولة مستقلة. وقد يشمل ذلك تغيير النظام، مع وجود زيلينسكي في المنفى (أو وفاته)، فضلاً عن إنهاء تطلعات كييف للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أو الناتو.
من هنا، تمسك الرئيس الروسي، وأتباعه بهذا الموقف، حتى لو تم نقله للعالم باستخدام كلمات مشفرة. لذلك، وفي مقابلة الأسبوع الماضي مع وكالة فرانس برس، أكدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، أن الكرملين يصر على "انسحاب" القوات الأوكرانية من الأراضي التي ضمتها روسيا بشكل غير قانوني، فضلاً عن "نزع السلاح" و"إزالة النازية". وبالتالي فإن زخاروفا تكون بذلك خاطبت الأوكرانيين بشكل غير مباشر بالقول توقفوا عن القتال وانسحبوا واقبلوا بحكومة موالية لموسكو في كييف.
في المحصلة، إزاء هذا المشهد المعقدّ، كتب معهد دراسة الحرب، وهو مؤسسة بحثية، في تقييم له هذا الأسبوع أن "روسيا لا تنوي الدخول في مفاوضات جادة مع أوكرانيا بحسن نية و... المفاوضات بشروط روسيا تعادل الاستسلام الأوكراني والغربي الكامل"...

