عبد الحميد شبلي - خاصَ الأفضل نيوز
لقد عرف التاريخ العربي، في ميدان الصراع المسلح، أكبرَ معركتين خالدتين ألا وهما معركة القادسية ومعركة اليرموك واللتان مهّدتا لسقوط أكبر امبراطوريتين في ذلك الزمان : أمبراطورية الفرس وأمبراطورية الروم، وفي المعركتين لم يكن الطرفان متعادلين في العدد والعدة والعتاد، بل كان العرب المسلمون قلةً مسلحةً بالإيمان تواجه كثرةً من جيوش الفرس والرومان، ورغم ذلك استطاع القادة العرب التغلب على كل الصعوبات وتحقيق النصر الذي مهّد الطريقَ لإسقاط الأمبراطوريتين واحدةً تلو الأخرى.
لو تأملنا بموضوعية في معركة طوفان الأقصى منذ بدايتها وإلى يومنا هذا لأدركنا أن هذه المعركة هي معركة مفصلية في التاريخ العربي بل والعالمي أيضاً
لماذا؟ لأنها بقلة مؤمنة من المقاتلين أعيت ثلاث امبراطوريات
وهي الأمبراطورية الأميركية والأمبراطورية الأوربية والصهيونية العالمية وأسهمت في سقوطها على المستوى القيَمي والأخلاقي على الأقل والحد من نفوذها وتأثيرها في العالم، والذي ساعد في سقوط امبراطوريتي الفرس والرومان هو القهر والقمع والظلم والاستبداد الذي كانت تعاني منه شعوب المنطقة في ظل حكم هاتين الأمبراطوريتين، ولا سيما بعد أن علمت تلك الشعوب بعدالة القضية التي يدافع عنها العرب وينشرونها فيمتلكون بها القلوب ويستميلون العقول، وهذا ما أدركه قائد جيوش الفرس قبيل معركة القادسية وأعلنه لكبار القادة والمستشارين في مجلسه حيث قال : " هؤلاء العرب فتحوا قلوب العباد قبل أن يفتحوا البلاد، وإنهم سيملكون ما تحت سريري هذا ".
لقد استطاعت المقاومة تحقيق ذلك من خلال كشف زيف وكذب الصهاينة وحكومات الدول الداعمة للكيان الصهيوني في هذه الحرب، واستطاعت المقاومة أن تضع النقاط على الحروف وتضع الحقائق أمام الرأي العام العالمي بالأدلة القاطعة على همجية وبربرية الصهاينة، وهذا ما أغضب شعوب العالم على الحكام الداعمين للصهاينة، فراحت تطالب بوقف الحرب على غزة وعدم دعم الكيان المحتل، وهذا يسجل انتصاراً ساحقاً للمقاومة في وقوف شعوب العالم إلى جانبها في معركتها العادلة، فلو عدنا إلى اليوم السابع من أكتوبر وتأملنا ما حدث برًّا وبحراً وجوًّا لوجدنا النجاح الساحق في الوصول إلى ماتريده المقاومة من اجتياح للمعسكرات ومستوطنات العدو، والأهم من ذلك كله الاستيلاء على أهم مركز أمني في جنوب فلسطين المحتلة وأخذ كل مايحتويه من أجهزة ومعلومات سرية وداتا المعلومات
والتي تحتوي على أسماء ومهام كل الجواسيس في داخل غزة وخارجها،
وهذا شكّل ضربةً قويةً للاستخبارات المعادية وللقيادة العسكرية وسبّب لها شللاً قويًّا في عملياتها البرية حيث لم تستطع تحقيق أي نصر ولو محدود على الأرض رغم ضراوة المعارك التي يشنها العدو برًّا وبحراً وجوًّا ضد أهلنا في غزة.
والسؤال الذي يطرح نفسه كيف استطاعت المقاومة أن تدرب مقاتليها وتبني ترسانتها العسكرية والانفاق وغيرها؟
هذا يعني أن المقاومة قامت بالتخطيط والتجهيز والتصنيع بمنتهى السرية أي أنَّ لديها جهازًا أمنيًّا استطاع أن يضع خطة خداع قوية تم من خلالها تضليل العدو وتنفيذ معركته وتحقيق عنصر المفاجأة الذي أذهل العالم والعدو الصهيوني على حد سواء، ولعل سير المعارك من اليوم الاول وحتى يومنا هذا يؤكد سيطرة المقاومة ميدانيًّا بل وبمقدرة عالية على إدارة دفة المعركة لصالحها من خلال الأساليب المتنوعة في القتال من الالتحام المباشر مع جيش الاحتلال إلى الضربات الخاطفة إلى كمائن الانفاق المفخخة إلى الافخاخ في البيوت المهدمة والمتعددة في نفس الكمين لإيقاع قوات الاحتلال في شراك المقاومين وتكبيدهم خسائر فادحة في الأرواح وهذا ما حصل في حي الشجاعية وغيره من المواقع،
وهذا إن دل على شيء فهو يدل على دقة التنسيق الأمني واللوجستي والعسكري لدى المقاومة ما يؤمن لها القدرة على إدارة دفة المعركة وتحقيق انتصارات متتالية وساحقة جعلت القيادة السياسية والعسكرية والقوات على الأرض في تخبط وضياع عاجزين عن الخروج من هذا الجحيم الذي ألقتهم فيه المقاومة في غزة، وهم يدركون أن كيانهم قد بات على طريق الزوال.
بعد هذا العرض الموجز لأبعاد طوفان الأقصى عسكريًّا وأمنيًّا نستطيع القول بأن الامراطوريات الأميريكية والأوروبية والصهيونية في طريقها إلى السقوط وانحسار النفوذ في منطقتنا لأن مخططها في قمة العشرين التي انعقدت في الهند، ( طريق الحرير وقناة بن غوريون)، قد باء بالفشل من خلال الصمود الأسطوري للمقاومين وأهلنا في غزة هاشم.
أمام عبقرية التخطيط والتنفيذ على كافة المستويات عسكريًّا وامنيًّا وإعلاميًّا وسياسيًّا ودبلوماسيًّا، أستطيع القول أن الأمة العربية أنجبت خالد بن الوليد من جديد، والذي شهد له القاصي والداني بعبقريته العسكرية، وإذا كان الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه هو القائل في زمانه : " لقد عقمت النساء أن يلدن مثل خالد"، فيمكننا أن نقول اليوم: " لقد عقمت النساء في عصرنا هذا أن يلدنَ مثل القادة السادة محمد الضيف ويحيى السنوار وأبي عبيدة ورفاقهم المقاومين وأهلهم الصامدين الصابرين في غزة"، كيف لا وقد وضعوا الأمبراطوريات الثلاث في مستنقع الهزيمة، لا بل إنهم وضعوا الكيان الصهيوني على طريق الزوال.

