د. علي دربج - خاصّ الأفضل نيوز
فيما كان من المنتظر أن يكون الشعب الأمريكي بأكمله مصطفا وراء إسرائيل في حربها الدموية على غزة، نتيجة قوة ونفوذ اللوبي الصهيوني وجماعات الضغط المناصرة للكيان الغاصب، إلا أن الحراك والمظاهرات والاعتصامات والاحتجاجات والجدل الداخلي الذي اندلع في الولايات المتحدة، في أعقاب المجازر والمذابح التي ارتكبها جيش الاحتلال في القطاع، فاجأ العالم أجمع.
وخلال أكثر من شهرين من المحرقة الجارية بغزة، تغير الرأي العام الأمريكي حول الصراع بشكل مستمر، بعدما كان قسم كبير منه مؤيدا لإسرائيل. وكان لافتا وجود فجوة ثابتة بين آراء الأمريكيين الأكبر والأصغر سنا، والتي ظهرت خلال الحرب وفي السنوات السابقة، وفقا لاستطلاعات الرأي الأخيرة كانت أجرتها مؤسسات مختصة مرموقة. أما السبب فيرتبط بعدة عوامل لا سيما العمر والدين، ووسائل التواصل الاجتماعي.
وماذا تقول استطلاعات الرأي عن نظرة الأمريكيين تجاه اسرائيل؟
في الحقيقة، يقدم استطلاع الرأي الذي أجرته "مؤسسة يوجوف المشهورة" في أواخر تشرين الأول (أكتوبر) شرحا وافيًا لمواقف الشعب الأمريكي، من فلسطين وإسرائيل، المتغيرة منها والثابتة. إذ وجد أن عدد الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا يتعاطفون مع الفلسطينيين أكثر من الإسرائيليين في الصراع الحالي – وهي الفئة العمرية الوحيدة التي تتبنى هذا الرأي (28% أعربوا عن تعاطف أكبر مع الفلسطينيين مقابل 20% للإسرائيليين )
علاوة على ذلك، كانت المجموعات الأكبر سنا أكثر عرضة للتعاطف مع الإسرائيليين من الفلسطينيين أو كلا المجموعتين على قدم المساواة، خصوصا أولئك الذين يبلغون من العمر 65 عاما فما فوق. بينما يعتقد 14% من الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا، أنه "من المهم جدًا" بالنسبة للولايات المتحدة حماية إسرائيل، مقارنة بثلثي أولئك الذين تبلغ أعمارهم 65 عامًا أو أكبر. لذا يقول الخبراء إن هناك تفسيرات متعددة وراء كون العمر عاملاً في آراء الأمريكيين بشأن إسرائيل وعلاقتها بالفلسطينيين.
وما علاقة العمر بموقف الأمريكيين الإيجابي أو السلبي من إسرائيل؟
في الحقيقة إن صورة إسرائيل الحالية ليست واحدة في الولايات المتحدة. فهناك جيلان وروايتان مختلفتان عبّر عنهما دوف واكسمان، مدير جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، ومركز ثريا نازاريان للدراسات الإسرائيلية، الذي أوضح أن "كل فئة عمرية لديها ذاكرة أجيال مختلفة عن إسرائيل. وقال "المعتقدات حول العالم، تميل إلى التشكل في أواخر سن المراهقة، وأوائل العشرينات، وغالباً لا تتغير.
وأشار دوف إلى أن "الأجيال الأكبر سنا، التي لديها إحساس أكثر عمقا بالمحرقة، تميل إلى رؤية إسرائيل باعتبارها ملجأ حيويا لليهود، وترى قصتها كواحدة من شعب يعود إلى الأمان في وطنه بعد أن عاش 2000 عام مشتتا يواجه الاضطهاد المستمر".
أكثر من ذلك، تعتبر هذه الفئة (الأكبر سنا) أنه في العقود التي تلت تأسيسها، كانت ما تسمى "إسرائيل" دولة منخفضة الدخل وضعيفة نسبيًّا. وأثارت انتصاراتها العسكرية ضد جيرانها في الأعوام 1948 و1967 و1973 موضع إعجاب الغرب بشكل عام (بالرغم من طرد ما يقدر بنحو 700 ألف فلسطيني من منازلهم وأراضيهم خلال الأشهر التي سبقت حرب عام 1948، وأدت بالتالي إلى إنشاء إسرائيل وبعدها).
ولكن هذه النظرة الوردية للكيان الغاصب، كانت متناقضة عند جيل الشباب الأمريكي (خصوصا الألفية الثانية) الذي بدأ بتكوين فهمه للأحداث العالمية ــ بعد انتهاء الانتفاضة الثانية منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين ـــــ مع بناء الجدران والحواجز المعززة بين إسرائيل والضفة الغربية، ثم غزة.
من هنا، كوّن هذا الجيل فكرته السلبية عن إسرائيل من التقارير الواردة عن حرمان الفلسطينيين من الوصول إلى المياه وحرية الحركة والمحاكمات العادلة، فضلا عن وضعهم تحت السيطرة العسكرية من قبل قوة احتلال غنية نسبيًّا ومسلحة نوويًّا.
وعلى المنوال ذاته، يرى جوي أيوب، كاتب ومذيع بودكاست وأكاديمي فلسطيني لبناني، إن "الشباب الأميركيين أكثر ميلاً إلى تصور القضية الفلسطينية كقضية شقيقة للجهود الأميركية من أجل العدالة العنصرية". وقال إن هناك "تشابهًا بصريًّا: لجندي مسلح، أو ضابط شرطة يسيطر على مساحة يسكنها شعب يتمتع بسلطة محدودة، سواء في بلدة في الضفة الغربية المحتلة، أو في حي تسكنه أغلبية من السود في الولايات المتحدة.
وأضاف أن "الشباب الأمريكي حليف طبيعي للنضال الفلسطيني، لأنه مشابه جدًا إذا فكرت في الأمر من حيث النقاط المطلوبة – الحق في الكرامة، والحياة وما إلى ذلك". ما يعزز هذه المقاربة، هو أن عام 2014 كان محوريا في فهم الجيل الأمريكي الجديد للصراع بين اسرائيل والفلسطينيين. آنذاك أدت جولة الحرب في غزة، إلى قتل حوالي 2,250 فلسطينيا و 73 إسرائيليا. والمفارقة أنها تزامنت مع الاحتجاجات التي اندلعت في فيرغسون بولاية ميسوري ، بسبب إطلاق الشرطة النار على رجل أسود أعزل. من هنا، كان الأمريكيون الفلسطينيون يعطون نصائح للأمريكيين الأفارقة حول كيفية التعامل مع الغاز المسيل للدموع.
وفي هذا الإطار، يقول إيتان هيرش، أستاذ العلوم السياسية في جامعة تافتس، إن "الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين يبدو أنه ينظر إليه من قبل الشباب اليساري، وخاصة في حرم الجامعات، على أنه شعب ملون – أي الفلسطينيين – ينتفض ضد مضطهد أبيض".
وما علاقة الدين بتأييد الأمريكيين لاسرائيل؟
إضافة إلى ما تقدم، يلعب الدين دورا مؤثرا في بلورة مواقف الامريكيين الاكبر سنا تجاه إسرائيل. فأكثر من ثلاثة أرباع الأمريكيين الذين تتراوح أعمارهم بين 60 و64 عاما هم من المسيحيين - مع أعداد أعلى بشكل متزايد بين الفئات الأكبر سنا - مقارنة بحوالي نصف البالغين تحت سن 30 عاما.
وانطلاقا من هذه النقطة، تعتقد هذه الفئة المتدينة، من الأمريكيين لاسيما الإنجيليين المتعاطفين مع إسرائيل، أن دولة الكيان الغاصب وعدت اليهود من قبل الله، وأن عودة اليهود إلى إسرائيل تحقق نبوءة الكتاب المقدس عن الأحداث التي ستسبق المجيء الثاني ليسوع المسيح.
بالمقابل، فإن فكرة إسرائيل كأرض مقدسة لليهود والمسيحيين، لها صدى عاطفي غير موجود ببساطة بالنسبة للعدد المتزايد من الشباب الأميركيين العلمانيين.
وماذا عن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي؟
ساهم استهلاك الأمريكيين الواسع لأنواع مختلفة من وسائل الإعلام، بإعادة تشكيل وجهات نظر المواطنين في الولايات المتحدة، حول الشرق الأوسط.
ففي حين، يحصل الأمريكيون الذين تبلغ أعمارهم 45 عامًا فما فوق، على أخبارهم من شبكات التلفزيون ومواقعهم الإلكترونية (وهي غالبا تتبنى الرواية الإسرائيلية للأحداث)، لجأ الأمريكيون الشباب الذين تقل أعمارهم عن 45 عامًا، إلى وسائل التواصل الاجتماعي للتزود بالاخبار، وفقًا لاستطلاع YouGov لعام 2022.
الأكثر أهمية، هو أن الاستخدام المنتظم لتطبيق TikTok على وجه الخصوص، ارتبط بانتقاد إسرائيل، استنادا لاستطلاع للرأي، كانت أجرته صحيفة نيويورك تايمز بالتعاون مع سيينا هذا الأسبوع.
ولهذه الغاية، تعرض تطبيق تيك توك لانتقادات، خاصة من قبل الجمهوريين، لأن الوسوم المؤيدة للفلسطينيين، تبدو أكثر شعبية من الوسوم المؤيدة لإسرائيل الموجودة على التطبيق. وتعليقا على ذلك، قالت الشركة إن "هذه الظاهرة حدثت بشكل طبيعي، وليس لأننا تلاعبنا عمدًا بالخوارزمية الخاصة بنا".
في المحصلة، كسرت الحرب الدموية على غزة، المحظورات عند جيل الشباب الأمريكي، الذي بات من الصعب على جماعات الضغط واللوبي الصهيوني، تلقينه سردية مظلومية إسرائيل ومعزوفة معاداة السامية، التي لطالما كانت بمثابة الفزاعة لغالبية شعوب الكرة الارضية.

