مهدي عقيل- خاصّ الأفضل نيوز
من اليوم الأول لعملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023، أُثير في الأوساط العسكرية والسياسية الإسرائيلية موضوع العمل ببروتوكول "هانيبال" بعيد ورود تقارير تؤكد محاولة العدو التخلص من الأسرى الذين وقعوا بأيدي المقاومة الفلسطينية، لكن ضياع الأجهزة الأمنية وتأخرها في استيعاب الهجوم على مستوطنات الغلاف حال دون تمكنها من الإجهاز على أسراها، لكنّها لم تتوان عن قتل مستوطنيها أثناء ملاحقتها للمقاومين داخل المستوطنات.
وعلى مدار 78 يوماً من الحرب، لم تتجنب حكومة اليمين المتطرف قتل أسراها، وترفض أن يشكل هؤلاء مانعاً أو عائقاً أمام عملياتها العسكرية التي تهدف إلى القضاء على حركة "حماس" وإزالة أي تهديد أمني من قطاع غزة على الكيان. وثمة أصوات إسرائيلية تعتبر أن قضية استعادة هيبة جيشهم وترميم ما أصابه في 7 أكتوبر تتقدم على الحزن والآلام التي يعيشونها الأسرى وذويهم.
إلى الآن، قُتل العشرات من الأسرى، لكن الواقعة المؤلمة والشديدة التأثير على الجمهور الإسرائيلي، هي إقدام قوة من لواء غولاني (انسحب يوم أول من أمس من ساحة المعركة بعد خسارته أكثر من ربع قوته من العتاد والعديد حسب اعتراف أحد ضباطه السابقين) عن طريق الخطأ، الأسبوع الماضي، على قتل ثلاثة من الأسرى الذين كانوا يحاولون الفرار من قبضة "حماس" في حي الشجاعية حسب الرواية الإسرائيلية. ولكي يكتمل المصرع ويزيد منسوب الحرج الإسرائيلي، عرض الإعلام الحربي للقسام فيديو قصير يعرض صور ومشاهد لثلاثة أسرى أخرين، قبل وبعد قتلهم من جراء القصف الإسرائيلي بإخراج فني مُتقن يثير حفيظة أهالي القتلى على الأقل. وتبعه تسجيل صوتي ل"أبو عبيدة"، خاطب فيه الإسرائيليين بقوله "إذا أراد العدو وجمهوره أسراهم أحياء فليس أمامهم سوى وقف العدوان..".
هذه التصرفات اللاإنسانية للعدو تجاه جيشه يدعونا إلى التعرف على البرتوكول الذي يستندون إليه في فعلتهم هذه، وعن ظروف نشأته.
بروتوكول "هانيبال" أو ما يعرف أيضاً ب"توجيه هانيبال"، وثمة من يعود في أصل التسمية إلى المصطلح الذي أُطلق على الطريقة التي أنهى بها قائد قرطاج التاريخي "حنبعل برقا" حياته، حين اختار تسميم نفسه بدلاً من الوقوع أسيراً في أيدي الرومان. وآخرون يعزون التسمية إلى اختيار عشوائي تمّ على الحاسوب وحسب، وذلك عام 1985 تاريخ وضعه وصياغته إثر إبرام صفقة تبادل الأسرى بين العدو والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة أمينها العام السابق أحمد جبريل. إذ امتعضت قيادة الجيش آنذاك من تلك الصفقة التي أجبرت العدو على إطلاق سراح 1150 أسيراً مقابل 3 جنود إسرائيليين فقط.
ظلّ هذا البروتوكول سريًّا حتى العام 2003، حيث بدأ بالظهور بطريقة شفهية غير مكتوبة، ويُعتقد أن هناك نسختين مختلفتين من "توجيه هانيبال"، نسخة سريّة مكتوبة غير متاحة إلا على أعلى المستويات في الجيش الإسرائيلي، والأخرى عبارة عن توجيه شفهي لقادة الفرق والمستويات الأدنى. وذلك حرصاً لمنع حدوث بلبلة داخل الجيش، مما قد يؤثر سلباً على معنويات الجنود والضباط.
دار جدال ونقاش واسعين على صعيد الجيش الإسرائيلي في العقدين الأخيرين، حول "توجيه هانيبال"، وحاولت القيادة التخفيف من تأثيره ووضع اقتراحات تُقيّد العمل به إلا في الحالات القاهرة والاستثنائية، لكن ظلّ معمولاً به رغم كل المحاولات وللمفارقة، أن أبرز تلك المحاولات كانت عن طريق وزيرين من وزراء "الكابينت" الحالي، واللذين شغلا منصب رئيس الأركان في الجيش الإسرائيلي، بيني غانتس (2011-2015) وغادي آيزنكوت (2015-2019)، حيث أرسى الأول مبدأ عُرف باسم "مبدأ التأثير المزدوج"، والذي نص على أن النتيجة السيئة "قتل جندي أسير" مسموح بها أخلاقيا فقط كأثر جانبي للترويج لعمل جيد "وقف خاطفيه". وفي يونيو/حزيران 2016، أعلن الثاني، عن إلغاء أو تعديل بروتوكول "هانيبال"، بناء على توصية من القاضي يوسيف شبيرا، النائب العام السابق للكيان. وينبه التعديل الجديد إلى الحرص على "تجنب إصابة الجنود المخطوفين أثناء ملاحقة الخاطفين".
لكن في واقع الحال، لم يُعمل باقتراح هذا أو ذاك، علماً أن صاحبي الاقتراحين هما ممن يُقرر الحرب القائمة على غزة اليوم، كأعضاء في المجلس الوزاري المصغر (الكابينت). إذ يبدو أن حكومة اليمين المتطرفة ليست متطرفة بحق الفلسطينيين وحسب، إنما بحق أبناء جلدتها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأمنها القومي الذي ارتجت وتخلخلت أعمدته بقوة في 7 أكتوبر لدرجة يستحيل ترميمها وإعادتها على الشاكلة التي كانت عليها قبل الطوفان.

