أكرم حمدان - خاصّ الأفضل نيوز
بينما لا يزال من المبكر الحديث عن النتائج النهائية لعملية طوفان الأقصى التي نفذتها كتائب القسام في السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي،إلا أن هناك الكثير من المعلومات والتقديرات العائدة لمصادر رسمية صهيونية ولبعض الباحثين المختصين بشؤون كيان الاحتلال، بدأت تتحدث عن فتح بوابات الهجرة العكسية أو المعاكسة كما حدث بعد حرب أكتوبر عام 1973.
وتتحدث المصادر الرسمية الصهيونية وتقديرات الباحثين عن مغادرة نحو مليون يهودي لـ"إسرائيل" بعد طوفان الأقصى مع التذكير بالهزيمة الاستراتيجية والتكتيكية لجيش الاحتلال في غزة وكذلك بمقولة مؤسس الكيان بن غوريون الذي ربط وجوده بالهجرة الواسعة إليه.
فبن غوريون وهو أول رئيس وزراء لـ"إسرائيل" (1948ـ 1954) يقول في تصريح له:"إن انتصار "إسرائيل" النهائي سيتحقق عن طريق الهجرة اليهودية الكثيفة، وإن بقاءها يتوقّف فقط على توفر عامل واحد، هو الهجرة الواسعة إلى "إسرائيل"".
لكن يبدو أن الوضع في عهد بنيامين نتنياهو،لا يتوافق مع مقولة بن غوريون ،ووفقاً لوسائل الإعلام العبرية، فإن نحو مليون شخص غادروا "إسرائيل" إلى الخارج في الأشهر الأخيرة، وهو ما يفوق بكثير عدد من تجلبهم الوكالة اليهودية إلى داخل "إسرائيل"، ناهيك عن النازحين من مستوطنات غلاف غزة، وفي الشمال على حدود لبنان، حيث يخشى سكان هذه المستوطنات من تعرّضهم لصواريخ المقاومة الفلسطينية في غزة أو "حزب الله" في جنوب لبنان،ما يجعل هؤلاء النازحين الإسرائيليين متردّدين في العودة إلى منازلهم حتى بعد انتهاء الحرب إن لم تتوفر لهم "ضمانات أمنية"، كإنشاء مناطق عازلة، وإلا سيضطر جزء منهم إلى الهجرة العكسية نحو دول أخرى أكثر أمانا.
وفي السياق، تنقل صحيفة "زمان إسرائيل"، عن سلطة السكان والهجرة الإسرائيلية الرسمية، أنه منذ بداية الحرب ولغاية نهاية نوفمبر/تشرين الثاني، غادر حوالي 370 ألف إسرائيلي البلاد، يضاف إليهم 600 ألف سافروا إلى الخارج خلال العطلات وبقوا هناك حتى 7 أكتوبر، ليصبح المجموع نحو 970 ألفًا.
من بين الفئات التي سافرت للخارج ورفضت العودة، شباب تمَّ استدعاؤهم للتجنيد والمشاركة في حرب غزّة لكنهم تخلّفوا وتواجههم عقوبات، خاصة في ظل ارتفاع معدل التخلّف عن التجنيد.
ووفقًا لموقع "فلايت رادار 24"، فإن معدل الرحلات المغادرة لمطار بن غوريون بلغ 120 رحلة يوميًا، وهو المعدل الأكبر المسجّل في المطار على مدى الأشهر والسنوات الأخيرة، بمعدل 24 ألف مسافرٍ يوميًا،يُضاف إليه رحلات مطاري إيلات وحيفا، والمغادرين عن طريق البحر من ميناءي حيفا ويافا، فإن المجموع يصبح نحو 40 ألف مسافرٍ مغادر يوميًا.
وهذه الأرقام تزيد قليلًا عن الأرقام الرسمية الإسرائيلية التي عادة ما تخضع للرقابة العسكرية في زمن الحرب، لكن في جميع الحالات سواء كان الرقم 370 ألفًا أو 970 ألفًا أو 1.2 مليون (خلال شهر) أو 2.8 مليون (في 70 يومًا) من الهجرة العكسية، فإنها كلها أرقام ضخمة في بلد لا يتجاوز عدد سكانه اليهود 7.145 ملايين نسمة، وفق دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية.
وإذا أخذنا رقم مليون نسمة كمتوسط هجرة عكسية، فإن ذلك يمثل 14 بالمئة من يهود "إسرائيل"، وهي نسبة عالية بالنسبة لبلد يقوم على جلب اليهود من الشتات وتفريغ فلسطين من سكانها الأصليين، وفق الشعار اليهودي "شعب بلا أرض لأرض بلا شعب".
لكن الحرب على غزّة أدت إلى نتائج عكسية، فبدل تهجير وإبادة سكان القطاع، فإن "إسرائيل" تعاني من نزيف الهجرة العكسية، وكلما طالت الحرب، كانت آثارها طويلة الأمد كارثية عليها، وهذا أحد أوجُه "الهزيمة الاستراتيجية" التي سيُمنى بها قادة الاحتلال.
وتؤثر الهجرة العكسية على قطاعين رئيسيين في "إسرائيل"، أولهما نقص العمالة في القطاع الاقتصادي، والثاني متعلق بالقطاع العسكري الذي يعاني من رفض الإلتحاق بالجيش، لأسباب مختلفة، علماً أن 65 % من الجيش يعتمد على الاحتياط حيث تم استدعاء 360 ألفًا من جنود الاحتياط من إجمالي 465 ألفًا، ما يستنزف العمالة ويضغط بشدة على مختلف القطاعات الاقتصادية كلما طالت الحرب أكثر.
هذا الوضع دفع "إسرائيل" لتسريح جزء من الاحتياط لتخفيف الضغط على بعض القطاعات الاقتصادية، وأيضا تعويض العمالة العربية والفلسطينية بأيدي عاملة من الهند وسيريلانكا والصين، وهذا سيكون له ثمنه، لأن "إسرائيل" ستضطر لجلب عمالة من دول أخرى بمرتبات أعلى ومزايا أفضل، وهو ما سيرفع من تكاليف المرتبات وأسعار السلع الإسرائيلية ما يجعلها أقل تنافسية مع نظيراتها الأجنبية.
كما أن الهجرة العكسية ستدفع "إسرائيل" للاعتماد على العمالة الأجنبية أيضا وبالتالي استمرار نزيف العملة الصعبة إلى الخارج بوتيرة أعلى.
وبيَّنت نتائج استطلاع للرأي أجرته الإذاعة الإسرائيلية الرسمية "كان"، ونشرته في مارس/ آذار الماضي،أن أكثر من 25 بالمئة من اليهود البالغين (فوق 18 عاما)، يفكرون بالهجرة من "إسرائيل" تفكيرًا جدّيا، وأن 6% منهم باشروا بالفعل إجراءات عملية للهجرة.
ووفق القناة الـ12 الإسرائيلية، فإن عددًا كبيرًا من الإسرائيليين قدّموا طلبات لجوء إلى البرتغال بعد إعلانها السماح لليهود بالحصول على تأشيرات اللجوء، بشرط حملهم جواز سفر إسرائيليًا.
وكشف موقع أخبار تأشيرة شنغن الأوروبي،عن زيادة إقبال الإسرائيليين على طلبات الحصول على الجنسية البرتغالية بنسبة 68%، والفرنسية بنسبة 13%، والألمانية بنسبة 10%، والبولندية بالنسبة نفسها.
وكانت بيانات وزارة الهجرة قد بينت تراجعاً غير مسبوق في النصف الأول من العام 2023 في نسبة استقدام اليهود من أميركا وأوروبا بنحو 20%، وفقاً للمعطيات الرسمية الصادرة عن الوكالة اليهودية، إذ وصل في النصف الأول من العام الحالي إلى 29 ألفاً و293 مهاجراً إلى "إسرائيل".
وخلال العام 2022،استقدمت 37364 من روسيا و14680 من أوكرانيا من أصل 70 ألف يهودي مهاجر من 95 دولة مختلفة، وكان 27% منهم من الشباب، بحسب محطة "نيوز 24" الإسرائيلية.
وبالتزامن مع ذلك،وضعت وزارة الهجرة إعلاناً في موقعها الإلكتروني تغري فيه من يرغب من اليهود بـ9 آلاف دولار لكل زوجين يهاجران إليها،ومساعدة للعازبين بـ4 آلاف و750 دولاراً، فضلاً عن وعود بالسكن والعمل وفرص التعليم.
ورصد برنامج شبكات جانبًا من تعليقات مغرّدين على تزايد الهجرة العكسية لليهود من "إسرائيل"، أجمعت على أن "الهجرة العكسية كابوس يلاحق قادة تل أبيب مع مرور الوقت، والدار لأهلها والغريب يغادرها، وطوفان الأقصى كشف الحقيقة، وهي أن فلسطين لأهلها".
يبدو أن المتغيرات الأساسية المحددة للهجرة من وإلى "إسرائيل" بثلاثة:المتغير العقيدي الذي يجمع ما بين الديني والسياسي، والمتغير الأمني، والمتغير الاقتصادي الاجتماعي،قد سقطت مع الطوفان رغم كل ما يجري في الخارج ولم يبقى منها إلا البعد العقيدي لاستبقاء من يفكر في الهجرة.
لا شك في أن طوفان الأقصى وما بعده سيرفعان مؤشرات الهجرة المعاكسة، وأن أي هزيمة لـ"إسرائيل" في غزة حاليًا تعني تصاعد الهجرة العكسية،لأن التاريخ والوقائع تقول إن الهجرة إلى "إسرائيل" ازدادت بعد انتصارها في حرب يونيو/حزيران 1967، لكن الهجرة العكسية ارتفعت بعد هزيمتها في حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973.
فكيان الاحتلال يتلقى في غزة هزيمتين،الأولى استراتيجية بسبب القتل الوحشي للأطفال والنساء والصحفيين والطواقم الطبية وكل ما له علاقة بالبشر والإنسانية، والثانية تكتيكية بسبب الضربات التي توجهها المقاومة الفلسطينية يوميًا للآليات والجنود، والصمود الأسطوري للمقاومة لأكثر من شهرين، والهزيمتان ترفعان الهجرة العكسية لليهود من "إسرائيل".

