عبدالله قمح - خاصّ الأفضل نيوز
من الأمور التافهة التي تتردد تباعاً مقولة "انسحاب قوات الرضوان من جنوب الليطاني إلى شماله".
أساساً، هل يُدرك قائل هذه العبارة أن ما يفصل جنوب الليطاني عن شماله، مجرّد جسر يبلغ طوله 200م يقع في منطقة الخردلي شرقاً ويرتفع فوقه حاجز للجيش اللبناني؟ هناك جسر آخر لا يكبره حجماً موجود في بلدة القاسمية قضاء صور غرباً، وثالث عند تقاطع قعقعية الجسر - وادي الحجير وأمامه حاجز أيضاً؟ بهذا المعنى، ما النفع، أو الهدف الاستراتيجي من إخراج "قوات الرضوان" إلى شمالي النهر، وأي تأثير لذلك؟
من الأمور القليلة التي تشير إلى الوضعية العسكرية للمقاومة، تلك التي تتحدث عن أن الترسانة الكبيرة والضخمة للصواريخ الذكية والمتطورة، منتشرة عملياً في مناطق شمالي النهر وليس جنوبه بالضرورة، ولا داعي للتعمق أكثر بالتفصيل. بهذا المعنى، يصبح شمال النهر أكثر خطراً على "إسرائيل" من جنوبه. وأساساً، وفيما لو اختار حزب الله التحول إلى الجنوب في أي وضعية طارئة، فلن يأخذ معه عبور قواته دقائق معدودة.
ثمة قضية معقدة أخرى ليست سهلة. بالنسبة إلى المقاومة، وجودها جنوب النهر يرتبط بتركيبة المنطقة، بطبيعتها، بمحتواها الديني والثقافي، بالارتباط العقائدي لمعظم ساكنيها. حشد ليس بقليل من أبنائها مقاومون منخرطون في صفوف كتائب حزب الله، والجزء الباقي مؤيد بنسبة كبيرة. الحديث عن إخلاء "قوات الرضوان" من جنوب الليطاني وفي نظر المقاومة يعني عملياً إخراج كامل حزب الله من المنطقة، وتحويلها إلى منطقة فارغة. منطقة عمليات عسكرية خاصة بالعدو، حيث لا حياة فيها، أي ما يشكل عملياً إعادة احتلالها مرة أخرى لكن وفق شكل مغاير عما ساد قبل عام 2000. وفيما لو أُبقيَ على الناس نصبح أمام معضلة أكبر. كحال المستوطنين الطالبين للحماية في الشمال. هؤلاء الجنوبيون من يحميهم عند "خروج المقاومة".
إذاً لماذا كل هذه الجلبة المفتعلة حول جنوب النهر وشماله؟
ببساطة لأن العدو الإسرائيلي يبحث عن تسجيل انتصار على حزب الله، بمعنى إعلامي، يجيز له الادعاء أمام المستوطنين الفارين من "الشمال" أنه حقّق شيئاً فيتيح لهم العودة. مشكلة تل أبيب الأساسية في هذا الشق تحديداً لا تتعلق فقط بمصير سكان الشمال ورفضهم العودة، إنما انسحاب ذلك على المستوطنين الآخرين، وتأثيره على مشاريع الاستيطان المستقبلية وعلى نشاط "الوكالة اليهودية" المسؤولة عن جلب اليهود من أقطار العالم والاستيطان في فلسطين.
يقول سياسي كبير في معرض تعليقه على "نقل" قوات الرضوان من جنوبي النهر إلى شماله، أن الأمر ليس سوى "دعاية إسرائيلية"، يعلم العدو أن تحقيقها مستحيل، لكنه يريد الاستثمار فيها إعلامياً قدر المستطاع، وهدفه من ذلك الوصول إلى مسألة واحدة: عودة العمل بمضمون القرار 1701 إلى سابق عهده، أي الفترة الزمنية من آب 2006 ولغاية 6 تشرين الأول 2023، بوضعية قواعد اشتباك نفسها، مع إضافة وحيدة يسعى إليها: ضمان من حزب الله عدم تنشيط الجبهة طوال الفترة المقبلة. وإن استطاع، يريد ضمان هذه القضية في مادة تدرج ليس في القرار، إنما في مفاوضات إحيائه، وهو يعلم أن حزب الله إن التزم يفعل.
القضية الثانية تتصل بالجبهة التي ستتكفل "تسكير" الفراغ الذي سيخلفه حزب الله إن سحب "الرضوان". نتحدث عن الجيش اللبناني، ونتحدث عن "معطيات" تشير إلى مسعى دولي لرفع عديد قواته العاملة في الجزء الجنوبي من الليطاني، وإلى "بناء وهم" يتعلق بتوسيع برنامج المساعدات، وتأمين مساعدات إضافية لهؤلاء الجنود وما شاكل.
عملياً، ولو أراد الجيش المفاوضة من موقع قوة، فيستطيع أن يطرح نظرية "السلاح مقابل الانتشار"، أي السلاح النوعي الفعال القادر على مواجهة "إسرائيل" بصفتها عدواً مقابل الانتشار في المنطقة. وإلا كيف لجيش يُراد منه تأمين حماية لمنطقة واسعة أن ينتشر وفي حوزته بنادق صيد؟

