أكرم حمدان - خاص الأفضل نيوز
أعلنَتْ محكمةُ العدل الدّوليّة تقديم جنوب إفريقيا طلبًا لبدء إجراءات ضدّ "إسرائيل" حول ارتكابها إبادة جماعيّة بسبب حربها الدائرة منذ 85 يومًا داخل قطاع غزة الفلسطيني، متّهمة دولة الاحتلال بانتهاك التزاماتها بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية، وأنّ أفعالها تحمل طابع إبادة، لأنّها مصحوبة بالنّيّة المحدّدة المطلوبة لتدمير الفلسطينيين في غزة كجزء من المجموعة القومية والعرقية والإثنية الأوسع أيّ "الفلسطينيين".
وكانت المحكمة الجنائيّة الدوليّة، أعلنت في 17 نوفمبر/تشرين الأول الماضي تقدّم 5 دول أعضاء بطلب تحقيق في الهجمات الإسرائيلية على غزة، هي جنوب أفريقيا وبوليفيا وبنغلاديش وجزر القمر وجيبوتي.
وتأتي هذه الخطوة ترجمة لما سبق وأعلنه رئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوزا، والّتي ترافقت مع موقف مشرّف لمجلس النواب في بريتوريا، حيث دعا في جلسة له إلى طرد سفير الكيان الصّهيوني وإقفال السفارة وهو ما تمّ بالفعل، بهدف إلزام العدو بوقف الحرب والعدوان على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.
كثيرةٌ هي الأسئلة والوقائع التي تفرض نفسها بعد هذه الخطوة التي اعتبرت خارجيّة الاحتلال أنّها بلا قيمة، ومنها تحدّي ما يُسمّى بالمجتمع الدولي وكلّ المؤسّسات والدول التي تتحدّث عن حقوق الإنسان وفي مقدّمها الإدارة الأميركية راعية الاحتلال والمموّل المادّي والعسكريّ له.
كذلك تضع هذه الخطوة، المحكمة الجنائية الدولية أمام مسؤوليتها في ملاحقة مجرمي الحرب الصهاينة، وتكشف ما إذا كانت فعلاً تلتزم اتفاقيّة روما وتنفّذ الأنظمة والقوانين المرعيّة الإجراء؟؟
ويبقى السؤال الأبرز والأهم: أين الأنظمة والحكومات العربية والإسلامية المُنضمّة إلى اتفاقيّة روما، ولها الحقّ في تقديم شكاوى مُماثلة؟؟ وإلى متى سيبقى كيان الاحتلال خارج القانون الدولي الإنساني وهو يُمارس أبشع أنواع الإرهاب والقتل والتدمير بحقّ الشّعب الفلسطيني؟؟
إن هذه الخطوة تستحقّ الشّكر والتّقدير لقادة جنوب أفريقيا والدول الداعمة والمؤيدة والتي يُفترض أن تتّسع دائرتها، بعدما أعلن رئيس كولومبيا غوستافو بيترو، دعم بلاده دعوة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، لرفع دعاوى قضائيّة ضدّ "إسرائيل" في المحكمة الجنائية الدولية.
وتقتضي أيضًا التّذكير ببعض المواقف والمحطّات التي سبق وطالبت بمحاكمة قادة ومسؤولي كيان الاحتلال على الجرائم التي تُرتكب في غزة.
ففي أكتوبر الماضي، وجّهت المفوضيّة السّامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان رافينا شامداسان، تهمة ارتكاب جرائم حرب إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي، عبر فرض الحصار على قطاع غزة، مُعتبرة أنّ "العقاب الجماعي جريمة حرب".
كما اتّهمت وزيرة المساواة الإسبانية، إيرين مونتيرو، الولايات المتحدة بالتّواطؤ مع "جرائم الحرب التي ترتكبها "إسرائيل" في غزة"، وذلك عقب استخدام الولايات المتحدة حقّ النّقض (الفيتو) ضدّ قرار مجلس الأمن الدولي الذي يدعو إلى هدنة إنسانية للصّراع، وطالبت وزيرة الحقوق الاجتماعية الإسبانية، إيونى بيلارا أيضًا، الحكومة الإسبانية، بتقديم رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة.
بدوره، رئيس مفوضيّة الاتّحاد الإفريقي موسى فكي محمد، اتّهم دولة الاحتلال، في أكتوبر الماضي، بارتكاب جريمة حرب، بعد قصفها مستشفى المعمداني في قطاع غزة.
أمّا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكرتورك، فدعا في نوفمبر الماضي، إلى إجراء تحقيق دولي في"انتهاكات ارتكبت خلال الحرب الجارية في غزة"، وفي نفس الشهر، وقّع 100 موظّف في وزارة الخارجية الأمريكية مذكّرة تدعو إدارة الرئيس جو بايدن إلى تغيير السّياسة الأمريكية إزاء حرب "إسرائيل" في قطاع غزة، متّهمة "إسرائيل" بارتكاب "جرائم حرب"، وفق موقع "أكسيوس" الأمريكي .
وفي نوفمبر الماضي أيضًا، أعلن محامٍ فرنسي، أنّه وجّه رسالة باسم 3 منظّمات غير حكومية فلسطينية، إلى المحكمة الجنائية الدولية، للتّنديد بـ"جرائم حرب" و"جرائم ضدّ الإنسانيّة"، وطالبت بـ"إصدار مذكرات توقيف بحقّ المسؤولين الأبرز عن هذه الجرائم، ومن بينهم نتنياهو، وإسحق هرتزوج".
وفي ديسمبر الجاري، قدّم النائب الفرنسي عن حزب "فرنسا الأبية"، توما بورتيه، شكوى جنائيّة رسميّة إلى النيابة العامة الفرنسية ضدّ أكثر من 4 آلاف جندي إسرائيلي من أصول فرنسية، بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة والضفة الغربية المحتلة.
كما قدّم مئات المحامين والهيئات الحقوقيّة من مختلف أنحاء العالم بقيادة المحامي الفرنسي الشّهير جيل دوفير، دعوى قضائيّة للمدعي العام للجنائية الدولية، في 9 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، تُطالب بفتح تحقيق في جرائم الاحتلال في غزة.
وهذه ليست المرّة الأولى التي تتلقّى فيها المحكمة الجنائية الدولية طلبات للتّحقيق في جرائم ارتكبتها "إسرائيل" خلال السنوات الأخيرة، لا سيما بعد انضمام فلسطين لمحكمة الجنايات الدولية في العام 2015، ما يعني أنّ الجرائم التي يرتكبها الاحتلال في فلسطين، أصبحت ضمن دائرة اختصاص المحكمة.
لكن المفارقة أنّه رغم كلّ المعلومات لدى المحكمة الجنائية الدولية ضد الجرائم التي ارتكبها الاحتلال خلال حروبه الأخيرة على غزة، لم تدن المحكمة "إسرائيل"، ولم تصدر أيّ مذكرة اعتقال بحقّ أيّ مسؤول إسرائيلي.
وطبقًا لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، من يحقّ له فتح تحقيق في هذا النوع من الجرائم هم الدول الأعضاء، ومجلس الأمن الدولي، والمدّعي العام للجنائية الدولية، لكن شروع المحكمة الجنائية الدولية في التحقيق بالتهم الموجهة لـ"إسرائيل" وقادتها السياسيين والعسكريين لم يفتح بشكل رسمي إلّا في العام 2021، أيّ أنّها استغرقت 6 سنوات في جمع المعلومات وتحليلها قبل فتح التّحقيق.
ويعد عدم انضمام "إسرائيل" إلى المحكمة الجنائية الدولية، وعدم اعترافها بالدولة الفلسطينية، ورفضها التعاون مع محقّقيها الجنائيّين، سببًا يعرقل فتح التحقيقات، إلّا أنّ من شأن هذه الخطوة ومواكبتها من قبل الدول والجمعيّات والمؤسّسات الحقوقيّة المعنيّة، أن تُشكل ضغوطًا دوليّة وشعبيّة للتّسريع في محاكمة قادة الاحتلال، الّذي لا يزال يصطدم بموقف مُتشدّد من الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها الأوروبيين الأعضاء في المحكمة، رغم موقف إيرلندا وبلجيكا الداعم لمحاسبة تل أبيب.
فهل تُحافظ الجنائيّة الدوليّة على مصداقيّتها ودورها؟

