كمال ذبيان - خاص الأفضل نيوز
لم يتوقّفِ البطريركُ المارونيُّ، بشارة بطرس الرّاعي، من الدّعوة إلى "حياد لبنان"، وهذا موضوع طرح ويطرح إشكاليّة في لبنان، حول تحديد الحياد، الّذي يُطرح منذ عقود، وهو يعني الخلاف المباشر حول هويّة لبنان، الّتي جاءت كتسويةٍ في العام ١٩٤٣، وسمّيت "بالميثاق الوطنيِّ" بين بشارة الخوري كرئيس للجمهوريّة، ورياض الصلح كرئيس للحكومة، بأن يتخلّى أصحاب الدّعوة التّوجه نحو الغرب، وكانت تصدر عن أقطاب موارنة، الذين كانوا ينظرون إلى فرنسا على أنّها "الأمّ الحنون"، التي انشأت لهم الكيان اللبناني، وهم يريدون التّماثل معها خصوصاً والغرب عموماً، بالثّقافة والارتباط الدّيني، وهذا ما كان يرفضه أصحاب الإيمان بالعروبةِ والقوميّة سواء السّوريّة أو العربيّة، والذين كانوا ينظرون إلى لبنان، على أنّه جزء من المشرق العربي، ومصالحه الاقتصاديّة هي معه ومع العالم العربي، إضافة إلى الثّقافة العربيّة، واللّغة العربيّة، التي كان المسيحيّون النّهضويّون، مدافعين عن العروبة ثقافة ولغة.
فالحيادُ الّذي يدعو إليه البطريرك الرّاعي، وسبقَهُ إليه سياسيّون مسيحيّون كالعميد ريمون إده رئيس حزب الكتلة الوطنيّة، والّذي ورث عن والده إميل إده الولاء لفرنسا، الّذي نصّبته رئيسًا للجمهورية عام ١٩٤٣، ولكنّ العميد ريمون إده، أعاد القراءة واقترب أكثر من الواقعيّة السياسيّة.
فإعادةُ طرح الحياد، تَعني خروج لبنان من الصّراع الوجوديّ مع العدوِّ الإسرائيليّ، وفق ما يؤكّد سياسيٌّ مخضرم مطّلع على الوضع اللبناني، والذي يكشف عن أنّه عندما يحضر العداء لإسرائيلي، تأتي معه فكرة الحياد، وهذا يعود إلى سنوات ما قبل تأسيس الكيان الصهيوني، لأنّ مشروع "تحالف الأقلّيات" كان في صلب المخطّط الصهيوني، وبأنّ الطوائف ليست مستهدفة منه إذا ما تحالفت مع المشروع الصهيوني، الذي لا يُمانع أن يكون أو تقوم في المنطقة، دول أو كيانات أو "كنتونات" طائفيّة ومذهبيّة، وسعى العدوُّ الإسرائيليُّ إليه، منذ أن قبل تأسيس دولته العبريّة، وما بعدها وكاد أن ينجح في لبنان، منذ منتصف السّبعينات من القرن الماضي، عندما تعاون مع حزب الكتائب الذي نسج علاقات معه، منذ أربعينات القرن الماضي ليتوصّل إلى تعاون عسكريٍّ، أقامه بشير الجميل بعد أن وحّد ما يسمّى "البندقيّة المسيحيّة" تحت اسم "القوات اللبنانية"، وارتكب خلال ذلك مجازر من إهدن إلى الصفرا وغيرهما.
فالحيادُ ليس له تفسيرٌ سوى عدم العداء لإسرائيل، أو رفض الانخراط في حرب ضدّها، إلى أن تحوّل الوضع إلى أن أمسك الوطنيّون بالقرار لجهة مقاومة العدوِّ الإسرائيليّ والتّحالف مع المقاومة الفلسطينية وقدّم لبنان المقاوم وليس المحايد نموذجًا في تحرير الأرض، دون قيدٍ أو شرط، أو استسلام، وإقامة معاهدة سلام، وقد أسقط المقاومون اتفاق ١٧ أيار، الذي كان سيعقده الحكم الكتائبي برئاسة أمين الجميل، كثمن لوصوله إلى رئاسة الجمهورية، وقبله شقيقه بشير، الّذي كان شريكًا في الغزو الصّهيوني للبنان، ولم تطرح بكركي الحياد، لا بل أنّ سيّدها السّابق البطريرك نصرالله صفير، كان يرسل رقيمًا بطريركيًّا، لعملاء كانوا في "جيش لحد" عندها كانت تغتالهم المقاومة في الجنوب.
لذلكَ، فإنَّ الدّعوة إلى الحياد، لا تحظى بتوافقٍ لبنانيٍّ، وهي ليست من ضمن الدستور، كما أعلن البطريرك الراعي، إذ ما تمَّ التّوافق عليه، هو أنّ لبنان عربيّ الهويّة، وهنا فإن دخل مفهوم جديد على العروبة بين واحدة استسلمت للعدوّ الإسرائيليّ وطبّعت معه وهذا ما يتّفق معه "الحياديّون" في لبنان، هم المُنضوون في محاور ترعاها أميركا فهم مع الأنظمة العربيّة المستسلمة وليسوا مع أنظمة عربيّة تقاوم أو تدعم المقاومة كما هي الحال في سوريا الّتي يقف ضدّها "المحايدون" لأنّها تشكّل عمقًا للمقاومة في لبنان وحاضنًا لكلّ مقاومة وهي تتلقّى الاعتداءات الإسرائيليّة لأنّها ممرٌّ للمقاومة وفي محورها.
فهل لبنان مُحايد في تموضعه بمحور أميركا كما حصل منذ عام ٢٠٠٠ لإخراج القوّات السّوريّة الّتي ضمنت أمن لبنان ووحدته وبعد خروجها اعتبرها المُحايدون انتصارًا.

