عماد مرمل - خاص الأفضل نيوز
يطلّ العام 2024 على لبنان مثقلًا بالملفّات والتّحديات الموروثة عن العام الراحل، بلا أسف. إنّها تركة ثقيلة ستُلقي بأعبائها على مطلع السنة الجديدة التي سيُحمّلها كثيرون آمالًا وأحلامًا لن تكون قادرة على تحقيقها ما لم يتغيّر سلوك المتحكّمين بالمصائر والأيام. صحيح أن البعض لا يملك سوى أن يستبشر خيرًا بهذا الانتقال من عام إلى آخر، بعدما ضاقت السبل والخيارات أمامه، إلّا أنّ حقائق الواقع ستصدمه بعد حين وستوقظه من الحلم الرومانسي، بحيث لا تلبث السنة المحتفى بها أن تبدأ بفقدان بريقها رويدًا رويدًا، لنعود مجدّدًا إلى انتظار رحيلها بفارغ الصبر وترقب غيرها، وهكذا دواليك.
وفي خضمّ الانتظارات وخيبات الأمل، يمر العمر وتتكسّر الطموحات، لأنّ العلّة ليست في الروزنامة بل في من يمزّق أوراقها ويحيلها إلى هباء منثور.
ومن أولى القضايا التي سترافقنا إلى 2024 هي جريمة العدوان على غزة ومفاعيلها اللبنانية على الحدود مع فلسطين المحتلة حيث يسيل الدم إسنادًا للشعب الفلسطيني وتضامنًا معه في مواجهة العدو الإسرائيلي. ولم يشأ الاحتلال إلّا أن يستهلّ العام الجديد بارتكاب جريمة اغتيال في حق نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس الشيخ صالح العاروري في الضاحية الجنوبية لبيروت، ما وضع الساحة اللبنانية مع بداية سنة 2024 على صفيحٍ ساخنٍ جدًّا، خصوصًا أنّ هذه الجريمة شكلت من حيث الهدف والمكان والتوقيت والدلالات كسرًا للقواعد التي كانت ناظمة للصراع، لا سيما أنّها المرة الأولى التي ينفّذ فيها الكيان غارة جويّة على الضاحية منذ حرب 2006، في انتهاك صارخ لسيادة لبنان وللضوابط التي كان قد وضعها حزب الله في إطار معادلة الردع التي أرساها مع العدو الإسرائيلي.
ومن بين "ضحايا" الاعتداء الإسرائيلي على الداخل اللبناني القرار 1701 الذي تناثر أشلاء بفعل "عصف" الصاروخين اللذين استهدفا العاروري ورفاقه في منطقة المشرفية، علمًا أنّه ومن سخريات القدر أن مسؤولي الكيان ما انفكّوا يطالبون منذ فترة بتطبيق هذا القرار وفق تفسيرهم له، لتأمين عودة المستوطنين النازحين من شمال فلسطين المحتلة إلى مستعمراتهم.
ومن بين الأسئلة الملحّة الآن: ما هو حجم وشكل الرّد على اغتيال العاروري، وهل أن هذا الاغتيال والرد الحتمي لمحور المقاومة سيفضيان إلى التدحرج نحو حرب شاملة في مطلع 2024 وسط استنتاجات لدى البعض بأن بنيامين نتنياهو يدفع في هذا المنحى لحسابات شخصية بالدرجة الأولى، أم أن المقاومة لن تذهب إلى المواجهة الكبرى على توقيت نتنياهو وستبقي زمام المبادرة في حوزتها، وهل أن الاحتلال سيبتلع الضربة المضادة التي سيتلقاها على قاعدة واحدة بواحدة أم سيندفع إلى مغامرة متهوّرة، وأين هم الأميركيون ومصالحهم من الحسابات الإسرائيلية؟
إلى جانب حرب غزة وتداعياتها اللبنانية فإنّ الملف الثاني الذي انتقل أيضًا بكلّ تعقيداته من 2023 إلى 2024 هو الشغور في رئاسة الجمهورية والذي يتسبب في عوارض جانبية تظهر على مؤسسات أخرى، من دون أن تلوح حتّى الآن أي مؤشّرات جدّية إلى إمكان أن تحصل قريبًا "صحوة ضمير" تسمح بانتخاب الرئيس وإعادة الانتظام إلى الدولة، علمًا أن هناك رأيًا يعتبر أن تظهير هوية الرئيس المقبل بات ينتظر نهاية العدوان على غزة، لأن المعادلة التي ستنتهي إليها الحرب هناك ستؤثر على التوازنات المتحكمة بانتخابات الرئاسة.
تحدّ إضافي لا يقل وطأة سيظل متربّصًا بنا في ال2024، هو النزوح السوري الذي تفاقمت أعباؤه وتضخّمت سلبياته مع مرور الوقت قبل أن تباغتنا موجة أخرى في الجزء الأخير من 2023. وإذا كان دخان الحرب على غزة وانعكاساتها اللبنانية قد حجب نسبيًّا ضغوط هذا التحدي، إلّا أنّ ذلك لا يحجب خطره البنيوي الذي يستوجب تفعيل الحلول والمعالجة في هذه السنة، سواء عبر تعزيز التنسيق السياسي مع دمشق أو عبر تطوير الموقف من المجتمع الدولي الذي يمنع عودة النازحين ويصر على إبقائهم في لبنان.
تضاف إلى المآزق التي سيرثها العام الجديد، الأزمة الاقتصادية المالية المتواصلة وسط استمرار احتجاز ودائع المواطنين في المصارف والتأخير المفرط في اعتماد خطة واضحة والمباشرة بتنفيذها للخروج من المأزق بالترافق مع الهروب المتمادي من إقرار الإصلاحات المطلوبة وتغيير "الموديل" الاقتصادي المالي المعتمد منذ عام 1992.
ولئن كان حاكم مصرف لبنان بالإنابة وسيم منصوري قد تمكّن من ضبط سعر الدولار مرحليًّا، إلّا أنّ شبح تفلّته مجدّدًا سيظلّ يحوم، ما لم تتم الاستفادة من "الهدنة" التي صنعها منصوري لوضع معالجة منهجية ترتكز على حماية حقوق المودعين وتغيير السياسات الريعية.
لا مفرّ من أن نعطي السنة الوافدة فرصتها لتثبت أنّها مختلفة عمّا سبقها، ولكن المؤشرات لا تشجع على التفاؤل كثيرًا، ما لم يستفد السياسيون من مناسبة مجيء "المولود" الجديد لإجراء مراجعة حقيقية تفضي إلى تبديل السلوك.

