علي قطايا - خاص الأفضل نيوز
باتَ واضحاً من تطوُّرِ الاحداثِ انَّ فرضَ " أنصارِ اللهِ " لحصارٍ في البحرِ الأحمرِ يمنعُ إسرائيلَ منَ الاستفادةِ منْ ميناءِ إيلاتَ و يكبّدُها خسائرَ اقتصاديةٍ بمئاتِ ملايينِ الدولاراتِ، كمَا يشيرُ الخبراءُ أنَّ ما يقومُ بهِ اليمنيُّونَ لا يقفُ عندَ حدودِ تأديةِ واجبٍ قوميٍ عربيٍّ تجاهَ القضيةِ الفلسطينيةِ، بلْ انَّه يتعدَّى ذلك نحوَ نتائجَ استراتيجيةٍ تحدِّدُ شكلَ اليمنِ ودورهِ مستقبليَّاً في أيِّ حدثٍ مفصلٍّي في الشَّرقِ الأوسطِ.
إنَّ أنصارَ اللهِ يفرضونَ بذلكَ انفسَهُم كجماعةٍ اقليميٍةٍ. وازنةٍ من شأنِها انْ تشكلَ تهديداً مستقبلياً للمصالحِ الأميريكيةِ في البحرِ الاحمرِ وتُحتّمُ عليهِمْ التعاملَ معَها، ما يفسّرُ سعيَ واشنطنَ الدؤوبَ معَ بعضِ حلفائِها لتشكيلِ تحالفٍ دوليٍّ بهدفِ حمايةِ القوافلَ البحريَةَ، حسبَ ما يشيرُ المراقبونَ، غيرَ أنَّ دولاً عديدةً منَ الحلفاءِ التقليديينَ رفضتْ الانخراطَ بما باتِ يعرفُ "بحارسِ الازدهارِ"، و لم تكنْ "إسبانيا" آخرَها بل شاركَها الرفضُ كلٌّ من مصرَ و المملكةِ العربيةِ السعوديةِ و الإماراتِ العربيةِ المتحدةِ، كما ظهرَ للعلنِ في وسائلِ الإعلامِ .
وليسَ الفشلُ في إعلانِ تحالفٍ بقيادةٍِ أميركيةٍ – و إنْ كانَ شكلياً – هاجسَُ اميركا الوحيدُ، بل ما يزيدُ من مخاوفِها أيضا جرأةُ القائمينَ على القرارِ في صنعاءَ على اتخاذِ قراراتٍ بعيدةٍ كلَّ البعدِ عنِ الحساباتِ المنفعيةِ الضيّقَةِ على الرَّغمِ من كونِ اليمنَ احوجَُ ما يكونُ حالياً للتنفسِ داخلياً خصوصاً معَ الوضع ِالإنسانيٍّ الكارثيٍّ الحاصلِ بفعلِ الحربِ و ما تبعهُ من حصارٍ.
و عليهِ باتتْ اميركا تعلمُ كما يؤكدُ المطّلعونَ أنَّ أحدَ خطوطِها الحمراءَ المتمثّلِ بحريةِ التجارةِ البحريَّةِ في العالمِ مهددٌ فعلاً في بابِ المندَبِ، احدِ اهمِّ مفاصلِ مساراتهِ البحريةِ الذي يشرفُ ُاليمنُ عليهِ جغرافيًّا في مدخلِ البحرِ الاحمرِ، ما دفعَها لتهديدِ الحوثيينَ بفشلِ خطَّةِ السلامِ اليمنيةِ حسبَ ما نشرتْهُ صحيفةُ "ذا غارديان" في محاولةٍ لثنيِ اليمنَ عن الاستمرارِ في تنفيذِ الهجمات ِالبحريَّّةِ.
تنقسمُ ايجابياتُ قرارِ اليمنِ دخولَ الحربِ إلى مستويين : أولهُمَا حاليّ و ثانيهُما مستقبليُّ متمثلٌ ببعدٍ استراتيجيٍّ. وعلى صعيدٍ مباشرٍ، وفي خضمّ الحرب الدائرة، يميلُ المحلّلونَ الى أن الحوثيينَ حيثُ كانَ لهم التاثيرُ الأكبرُ في مجرياتِ الحربِ من بين اعضاء المحور التي تقودها ايرانُ، ويضمُّ فصائلَ المقاومة ِفي العراقِ و سوريا و لبنانَ، خصوصاً بعد صياغتهمْ لمعادلةِ فكِّ الحصارِ عن ايلاتَ ويرتبطُ ارتباطاً وثيقاً بفكِّ الحصار ِعن غزةَ، الأمرُ الذي اكّدهُ إقرارُ مجلسَ الامنِ للقرارِ رقم "2720" الحائزِ على تاييد اغلبية 13 عضوا من 15 والصادرِ في الشهر ِالماضي و الذي يدعو "كلَّ الأطرافِ الى إتاحَةِ و تسهيلِ الايصالِ الفوريِّ و الآمن دونَ عوائقَ لمساعداتٍ إنسانيةٍ واسعةِ النطاقِ الى غزة َ، بالاضافةِ لاتخاذِ إجراءاتٍ عاجلةٍ بهذا الصددِ و تهيئةِ الظروفِ لوقفٍ مستدامٍ للأعمالِ القتاليةِ"، إلَّا انَّ الولاياتِ المتحدةِ الأميريكيةِ استخدمتْ حقَّ الفيتو فيما يتعلقٌُ بالجزئيةِ الثانيةِ من القرارِ معَ الإبقاءِ على الجزئيةِ الأولَى قيدَ التنفيذ.ِ
إنَّ المسارَ الزمنيَّ وارتباطَهُ المباشر َبسياقِ الأحداثِ في البحرِ الاحمرِ، و ما يضيفهُ المحلّلونَ يؤكّدُ انَّ التوصلَ لهذا القرارِ جاءَ سريعاً نتيجةَ العملياتِ اليمنيةِ وبعدَ مرورِ اسابيعَ على محاولاتٍ دبلوماسيةٍ عربيةٍ لتحفيفِ الحصارِ عن غزةَ دونَ فائدةٍ، ليُظهرَ اليمنُ قدرتهُ من جهةٍ على فرضِ المعادلتَهِ التي دخلَ على أثرِها الحربَ و كسبَ من جهة اخرى نقطةًَ على الصعيدِ السياسيِّ تثبّتُ مستقبلياً دورهُ كمؤثّرٍ جديدٍ يطرحُ نفسهُ على الساحةِ الإقليميّةِ ويكونُ قادراً على فرضِ المعادلاتِ وتنفيذِهَا.
اما على الصِّعيدِ الاستراتيجيَّ فإنَّ انعكاساتِ دخولِ اليمنَ في هذه ِالحربِ كثيرةٌُ ومتشعبةٌ، وما أظهرهُ من أداءٍ عسكريِّ ناجعٍ و فعالٍ كانَ له مفاعيلَ عديدةٍ ، أولُها الاستحقاقُ السعوديُّ المتعلّقُ بإنهاءِ الحربِ الداخليةِ في اليمنِ و تصحيحِ الوضعِ الإنسانيِّ الكارثيِّ الناتجِ عنها و الذي سيكملُ اليمنُ التفاوضَ عليهِ، بعدَ انْ تضعَ الحربُ معَ اسرائيلَ أوزارَها، او كما بدأ فعلا - قبلَ انتهائِها حتى - عبر تصاريحَ إعلاميةٍ ترمِي في المقامِ الأولِ إلى إعطاءِ تطميناتٍ سعوديةٍ-دوليةٍ لحكومةٍ صنعاءَ بانَّ شروطَ الهدنةِ ستنفّذُ كاملة ًبعد أنْ جرى سابقاً التسويفَ وإضاعةِ الوقتِ في تنفيذِهَا لذرائعَ مختلفةٍ.
هذه التطميناتُ تظهرُ جليّةً في تصريحاتِ المبعوثِ الخاصِِّ للأمينِ العامِ للأممِ المتحدةِ لليمنِ "هانس غروندبرغ" الذي أعلنَ "عنْ توصلهِ لمجموعةٍ من التدابيرِ تؤكدُ على وقفٍ شاملٍ لإطلاقِ النارِ في اليمن بالاضافةِ الى تاكيداتٍ فيما يخصُّ تدابيرَ ستشملُ تحسينِ الظروفِ المعيشيةِ لليمنيينَ والانخراطِ في عمليةٍ سياسيةٍ جامعةٍ" وفقَ قولهِ، ليرحِّبَ كلٌّ من السعوديةِ، بتصريحٍ من وزارةِ خارجيتِهَا، وسلطنةِ عمانَ و الاماراتِ بنتائجَ جهودِ "غرودنبرغ". فالمملكةُ العربية ٌالسعوديةُ على وجهِ الخصوصِ هي الأكثرَ توثباً و تلقفها لأيةِ مساعٍ ترمي لتبريدِ العلاقاتِ مع اليمن و إبعادِهَا عن دائرةِ الصراعِ نظراً لأمرينِ اساسيينِ:
الاول يعودٌ الى الرؤيةِ السعوديةِ للمستقبلِ على قاعدةِ –تصفيرِ المشاكلِ- الذي يحملُ معه مشاريعَ أساسِ نجاحِها قائمٌ على الاستقرارِ الأمني كرؤيةٍ 2030 و مونديال 2034 المزمع اقامتهُ على اراضي المملكةِ، و الثاني يتعلقُ بفائضِ القوةِ الذي أبرزهُ اليمنُ في هذه الحربِ و القدرةِ الواضحةِ على إفشالِ اي مشروعٍ مستقبليٍّ لعمومِ دولِ الخليجِ و بالأخصِّ السعوديةِ و الإماراتِ.
و استكمالا لجنيِ ثمارِ دخولِ الحربِ ضدَّ اسرائيلَ، يُجمعُ المراقبونَ على أنَّ حالةً من تغيرِ مزاجِ الجمهورِ العربيِّ عموماً و الشارعِ الخليجيِّ خصوصَاً بالنظرةِ لجماعةِ انصارِ اللهِ تحصلُ بوتيرةٍ متسارعةٍ و متصاعدةٍ وتُرصد في وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ و في المسيراتِ الداعمةِ لغزةَ، مثمنينَ عملياتهِم العسكريةِ و محفّزينَ لهم، ليصدّروا بذلك انفسهُمْ في وجدانِ الجماهيرِ كضمانةٍ حقيقيةٍ تكبحُ جماحَ الأمريكيينَ مستقبلاً في اعطاءِ الضوءَ الأخضرَ للكيانِ الصهيونيِّ في فر ضِ حصاراتٍ مستقبليةٍ. و يبدّلوا الصورةَ التي اخذتْ عنهم سابقا على اثرِ الحربِ مع الخليجِ العربيِّ بصورةِ العربِ القوميينَ الذينَ يعتمدونَ بوصلةَ فلسطينَ دائما في تكرارِ للتجربةِ و الصورةِ التي خرج َبها حزبُ اللهِ من حربِ تموزَ 2006 في عقولِ و قلوبِ الجماهيرِ العربيةِ حينَهاَ.
لا فرقَ إنْ كانَ ما ذكر ٍ لاسبابٍ مدروسةٍ دفعتِ اليمنيينَ إلى الدخولِ في الحربِ او نتائجَ تحققتْ على وقعِ ذلك...لكن الفرقَ الوحيدَ انهم بذلكَ استطاعُوا تثبيتَ قاعدةٍ واحدةٍ:" اميركا معَ منْ وما تمثّلهُ تعطي بقدرِ ما تُضربُ بقوّةٍ لا بقدرِ ما تتخلّى عن القوةِ لاسترضائِها" . ويبقى الأملُ في ان تصبحَ القاعدةَ هذه بمثابةِ دعوةٍ لجميعِ الأقطابِ العربيةِ لانتهاجِ سياسةٍ مغايرةٍ عن الاسترضاءِ للأمريكيينَ في مسارِ الصراعِ مع العدوِ الصهيوني وحلفائِهِ.ِ

