محمد علوش - خاص الأفضل نيوز
منذ شهر تقريباً حمل موفدون دوليون الى لبنان رسائل دبلوماسية عنوانها "عدم الإنجرار خلف الاستفزازات الاسرائيلية"، وكرر سفراء دول غربية هذه العبارة أكثر من مرة خلال اللقاءات المغلقة أم الاطلالات الاعلامية، ونعود اليوم لنستذكر هذه الرسالة على وقع قيام العدو الاسرائيلي باغتيال نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس صالح العاروري في قلب الضاحية الجنوبية لبيروت.
لا شكّ ان العدو الاسرائيلي يُريد جرّ لبنان الى التصعيد، ولكن لا يريد للحرب أن تكون معه بل مع الأميركيين، لذلك ينقسم مجلسه الحربي بين مؤيد لتصعيد عسكري في لبنان ومعارض، بحسب ولاء الأعضاء للأميركيين الذين يرفضون التصعيد، ويعتقدون أن بإمكانهم تحصيل مكاسب اكبر خارج الحرب.
من استفزازات العدو الاسرائيلي للبنان عملية الاغتيال، ولكن الاكتفاء باعتبار العملية بمثابة استفزاز هو تبسيط كبير لما حصل، سواء لناحية الزمان، او المكان، او الشخصية المستهدفة.
من حيث الزمان، كان يمكن للعدو الاسرائيلي استهداف الشيخ العاروري في أي وقت منذ بداية الحرب حتى اليوم، فالمكتب الذي كان يتواجد فيه الرجل برفقة أعوانه ليس مكتباً سرياً، فهو معروف لكل الجيران وساكني الجوار بأنه مكتب "فلسطيني"، وتزوره شخصيات وتظهر امامه عناصر أمن وحماية، مع العلم في هذا السياق، وعلى الهامش، أن العمل الاستخباري الاسرائيلي لم يكن من خلال معرفة مكان الشقة، بل هوية المتواجدين فيها وتوقيت اجتماعهم.
اختيار العدو لهذا التوقيت له ارتباط بأمرين أساسيين، الأول بدء تنفيذه للمرحلة الثالثة من الحرب على غزة، وهي التي ستشهد تبدلاً بشكل الحرب وتخفيضاً للضغط الحربي وانتقالاً الى نوع جديد من الحرب، والثاني وهو الأهم، ازدياد حجم الضغط الأميركي عليه، والحديث عن اقتراب سحب حاملة طائرات أميركية من البحر المتوسط، وبالتالي تبدل مشهد الحرب في المنطقة.
بالنسبة للمكان، فللضاحية قيمتها داخل معادلات الردع، فبالنسبة لحزب الله فإن استهداف الضاحية بغض النظر عن هوية المستهدفين، هو امر خطير بذاته، وتجرؤ الاسرائيلي على الضاحية بهذا الشكل، ولو أنه لم يعترف بالعملية بشكل واضح، وبعض المستشارين اعتبروا ما حصل رسالة لحماس لا لحزب الله والحكومة اللبنانية، إلا أن مجرد وقوع العملية في الضاحية يعني حدثاً كبيراً قام به العدو.
أخيراً الشخصية المستهدفة، وهو الرقم 2 في حركة حماس، ومسؤول المقاومة في الضفة الغربية والأقدر على تحريك الضفة بوجه اسرائيل، وأكثر من ذلك، كان الحمساوي الأقرب لحزب الله وإيران، بالفكر والفعل، وأحد الأساسيين الذي أعادوا حماس الى المحور بعد خروجها عن دربه في الحرب على سوريا، وكان الرجل الأول في تأمين تسليح حماس والتنسيق مع الجهات الباقية في المحور.
نعيش في وضع حساس للغاية، فأحلى الخيارات أمام المحور خطيرة وصعبة، فلا يمكن للمقاومة في لبنان أن "تسكت" عن ضربة كهذه لأنها ستفتح الباب أمام ضربات أخرى، ولا يمكنها ان تتصرف بناء للعاطفة فتحقق للاسرائيلي ما يسعى إليه.

