خليل حرب - خاص الأفضل نيوز
منذ السّاعات الأولى ل"طوفان الأقصى" ثمّ حملة الإبادة التي تشنّها إسرائيل ضد الفلسطينيين، هناك خيط رفيع تتخطّاه واشنطن، يمنة وشمالًا، متى ما شاءت، ما بين العيش داخل "فقاعة" وبين التّضليل السياسي.
والحديث هنا لا يتعلّق فقط بتأمين الغطاء السياسي-والعسكري- المباشر للعدوانية الإسرائيلية الجليّة منذ أكثر من 3 شهور، وإنّما أيضًا والأهم في اعتماد الإدارة الأميركية على سلسلة من الخدع والحيل السياسية والدعائية التي تتيح لها القفز فوق التناقضات والوقائع .. وبرك الدم أيضًا.
والسّلسلة طويلة، من نظرية "11 أيلول الإسرائيلية" التي روّج لها بعد ساعات، إلى تهمة ذبح عشرات الأطفال الإسرائيليين واغتصاب نساء المستوطنات في غلاف غزة، وصولًا إلى قول الإدارة الأميركية أنّها لا تثق بأرقام الضحايا الفلسطينيين الواردة من المذبحة الجارية في غزة، وصولًا إلى القول أنّها لم تر أدلّة على تعمّد ارتكاب الكيان جرائم إبادة.
وقد استخدم الرئيس بايدن والمسؤولون في إدارته، هذه الأضاليل، من أجل توفير ما يكفي من الوقت للكيان، للمضي قدمًا في جريمته أمام أعين ملايين الناس حول العالم، بلا رفّة جفن، بينما صارت الأرقام تتحدّث عن نحو 30 ألف شهيد، وربما أكثر.
في "الفقّاعة" التي يعيش بداخلها بايدن، أن الولايات المتحدة بالإضافة إلى كونها الرّاعي الرّسمي للمذبحة، فإنّه يريد القول أيضًا أنّه الآمر الناهي في المنطقة وبأنّ "زعامة" أميركا، مهما قيل، بلا منازع، حتّى وإن كانت زعامة لاأخلاقية، حتّى حلفاء أميركا في العالم، متفاجئون بمستوى الانحدار الأخلاقي الذي وصلت إليه وجعلها، بالإضافة إلى كلّ ما سبق، لا تزال إلى الآن، تضع على رأس جدول أعمال وزير خارجيتها أنطوني بلينكن وهو يجول في المنطقة، قضية "تحرير" حفنة من الرهائن، لا وقف الإبادة ضدّ أكثر من مليوني إنسان.
و"فقّاعة بايدن" أنّه يفترض أنّه يملك من السّطوة والمشروعيّة الأخلاقيّة والسّياسية، والحجج، ما يجعله يعتقد ويصدق فعليًّا، ولو لوهلة، أنّ ما تقوم به واشنطن منذ أكثر من 90 يومًا، يصبّ في صالح منع انتشار النيران الإقليمية، بل ويتباهى ضمنيًّا، بأنّ النّجاح الأهم حتّى الآن في هذه الرؤية أنّه حال دون انقضاض إسرائيل على لبنان، وبالتّالي احتواء "الجبهة الشمالية".
وإذا كان ذلك صحيحًا، أي القناعة الأميركية بأنّ هذه الجبهة محتواة فعلًا، فغالب الظن أن العسكريين الإسرائيليين لا يتشاركون مع نظرائهم الأميركيين حقيقة ما يجري، وأن مقصّ "الرّقابة العسكرية" الشهيرة للاحتلال تفعل فعلها في التقارير المقدّمة للجنرالات الأميركيين، أو ربما أن الأميركيين شركاء بالفعل في التواطؤ مع سلطة الاحتلال، على الصمت على ما يجري في الشمال، بانتظار جلاء غبار معارك الجنوب الفلسطيني، أو نضوج الظروف المؤاتية لفتح جبهة الشمال، أو معالجتها سياسيًّا.
من ملامح "الفقاعة" أيضًا أن هذه القناعة باحتواء الحرب إقليميًّا، تبدو حافلة بالتناقض (وكما أشرنا ربما إلى الدهاء)، بأنّ الأداء الأميركي يحول دون انتشار النيران، بينما الوقائع تشير إلى أنّ واشنطن تقود المنطقة إلى مستوى جديد من الصدام. في جبهة الشمال حيث هناك نحو 700 هجوم ضدّ مواقع الاحتلال وجنوده، وآخرها قاعدة ميرون الاستراتيجية، ونزوح لما بين 200 إلى 300 ألف مستوطن، وصولًا إلى الصواريخ والمسيرات الآتية من العراق، باتجاه الكيان المحتل، وقواعد القوات الأميركية في العراق وسوريا (أكثر من 120 هجومًا).
وهناك عشرات الهجمات الآتية من اليمن والتي ساهمت في إصابة حركة التجارة البحرية مع موانىء الاحتلال بالشّلل، والتي بدأت تدفع الأميركيين إلى الانتقال من التورّط في تولّي مهمة الدفاع مباشرة عن أراضي الكيان الاحتلالي، إلى خوض المعركة مباشرة بالإنابة عنه بضرب اليمن ومواجهته عسكريًّا، بما يمثّل إعلان حرب، "مهذّب" على اليمنيين، بالإضافة إلى تنفيذ غارات واغتيالات في العراق، تتزامن مع اغتيالات إسرائيل ضدّ قيادات معادية لها في بيروت ودمشق، وهو ما يمثّل "تلازم المسارين" بين واشنطن وتل أبيب بالانخراط في أتون نيران إقليمية وتأجيجها.
أليست فقاعة بلهاء، والحال هذه، أن يخرج مسؤول أميركي ليقول الآن :لقد نجحنا! أم أنها فعلًا تضليل واضح من جانب الراعي الرسمي للمذبحة؟

