مهدي عقيل - خاص الأفضل نيوز
لم يسبق أن مرّ "حزب الله" طيلة مسيرته الجهاديّة والحربيّة مع العدو بمحنة مُشابهة للتي يعيشها اليوم، لكنّه عرف كيف يتعايش معها بحنكة خطابيّة ومهارة عسكريّة قلّما تجتمعان في حزب أو فصيل واحد.
منذ الشّرارة الأولى لعملية "طوفان الأقصى" في 7 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، اتّجهت الأنظار إلى الجبهة الشّمالية، والجميع انتظر ردّة فعل "حزب الله"، فمنهم من طالب الحزب بالرد التزامًا بمبدأ "وحدة السّاحات" أو تنفيذًا للوعود والتهديدات السابقة التي أطلقها والمحور لجهة تدمير الكيان، وآخرون طالبوه بعدم توريط البلد بحرب لا طائلة منها، واستخفوا بالجبهة التي أشعلها جنوبي لبنان.
ومن جهتها، سارعت الولايات المتحدة إلى إرسال حاملتي طائرات وفرقاطات عسكرية إلى البحر المتوسط، قبالة فلسطين المحتلة، لدعم الكيان من جهة، ولردع قوى المقاومة، وتحديداً "حزب الله"، من جهة ثانية، حتى تبقى الجبهة الشمالية تحت عتبة الحرب.
عرف "حزب الله" كيف يدافع عن جبهته الداعمة والمساندة لغزة، ومشاغلة قرابة الثلث من عديد جيش العدو لتخفيف الضغط عن قوى المقاومة الفلسطينية، وتهجير نحو مئة ألف مستوطن. وفي نفس والوقت، تسنّى له تقديم أنموذج صغير عن قدرات المقاومة، لدرجة يمكن أن يستنتج العدو أو يُقدّر من خلالها شكل الحرب المفتوحة معه.
واستطاع الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله، عبر خطابات متتالية شرح فيها ما يجري على الجبهة الشمالية للعدو، وتمكن بحنكته وفنّ الخطابة والكاريزما والمصداقية التي يتمتّع بها، من تبريد الرؤوس الحامية في جمهور المقاومة على امتداد العالم العربي والإسلامي، وتبيان الهدف من المستوى الذي رست عليه تلك الجبهة من جهة، وأظهر للجمهور المناوئ للمقاومة كم هي الأخيرة عاقلة وفيها رجالات تقرأ وتقارب وتستقرئ الأمور جيداً من جهة ثانية.
سارت الأمور على هذا المنوال إلى أن وقعت الواقعة، مساء الثلاثاء الماضي، حيث تجاوز العدو الخطوط الحمراء باستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت (معقل حزب الله)، واغتال أحد أبرز قياديي حماس، السياسيين والعسكريين، الشيخ صالح العاروري.
وبالتالي وضع العدو "حزب الله" بين مفرقين أحلاهما مرّ، الأول يقضي بالرد على عملية الاغتيال، إنفاذاً للقاعدة التي أطلقها أمينه العام في 28 آب/أغسطس الماضي، والقاضية بالرد على استهداف أيّة شخصيّة من قبل العدو، سواء كانت لبنانية، فلسطينية، إيرانية وغيرها.
والثاني، يقضي باستيعاب الضربة خشية من أن تتطوّر الأمور أكثر.
فخطابا السيد نصر الله بعد عملية الاغتيال أسّسا للرّد، والمجلس الجهادي للحزب عرف كيف يختار رداً قاسياً وموجعاً دون أن يشكل ذريعة لإسرائيل أمام راعيتها، الولايات المتحدة، لشن حرب واسعة على لبنان. فكان الرد بمثابة منزلة بين منزلتين. فرغم أهميته الاستراتيجية، والذي أصاب من العدو مقتلاً، من خلال استهداف أحد أهم قواعد المراقبة والرصد والتجسس ورسم إحداثيات وتحديد أهداف المقاتلات الإسرائيلية (قاعدة ميرون)، بقي هذا الرد من ضمن مسار الحرب القائمة منذ 8 تشرين الأول/أكتوبر الماضي وإن كانت القاعدة المذكورة تبعد نحو 8 كيلومترات عن الحدود. هذا فضلاً عن استهداف المقاومة اليوم، مقرّ قيادة المنطقة الشمالية للعدو في بلدة صفد المحتلة، والذي لا يقل أهمية عن قاعدة ميرون.
هذا ينمُّ عن عقل استراتيجي لدى أصحاب القرار والتقدير السياسي والعسكري في حزب الله، ويجب أن لا يُفهم ذلك بأن الحزب مردوع ويخشى الحرب، لكن الحقيقة، ليس من مصلحة الحزب الوقوع في الفخ الإسرائيلي وتحقيق ما يرمي إليه لناحية إشعال حرب إقليمية يزج الأميركي فيها مرغماً.
مع الإشارة إلى أنّ اغتيال أحد قادة المقاومة يوم أول من أمس، الشهيد وسام الطويل (جواد)، في بلدة خربة سلم الجنوبية، أمر وارد في أيّ لحظة، ومن تداعيات مسرح عمليات الحرب القائمة، بخلاف اغتيال العاروري في الضاحية الجنوبية من خارج ذلك المسرح، وصحيح أن العدو حقق إنجازاً عسكرياً وربما أمنياً بالنيل منه، والحقيقة أيضاً، أنّ مسيرة الشهيد الجهادية الطويلة تدل على أنه قد نال من العشرات وربما المئات من جيش العدو الإسرائيلي إضافة للعدو التكفيري. هكذا الحرب لا يمكنك أن تنجو منها دائماً.
ونشير أيضاً، إلى أنّه ثمة كلام في الإعلام، وعلى مواقع التواصل، يتساءل فيه البعض، كيف لحزب الله أن يدّعي أنّه أطفأ العيون الإسرائيلية على الحدود؟ لا سيما بعد استهدافه قاعدة ميرون، وما زال بمقدور العدو استهداف المقاومين بواسطة مسيراته. إذ يغفل عن هؤلاء بأن إسرائيل لديها إمكانيات رصدية وتجسسيّة متعدّدة ومتنوعة، لا يمكن القضاء عليها بالكامل، لكن فيما لو اندلعت الحرب الواسعة سوف نشهد القصور الإسرائيلي في التجسس والرصد والمراقبة نتيجة عمليات فقء العيون التي نفّذتها المقاومة الإسلامية على طول الخط الأزرق.
خلاصة القول، الحزب يعمل وفق أجندة خاصة به، فعندما يرى أن الحرب ضرورية وثمة حاجة لها، لم يهدر وقتاً ولم يألُ جهداً دون أن يخوض تلك الحرب، وفيما لو فُرضت عليه سوف يخوضها حتماً، مهما كانت عواقبها تبقى تداعياتها وتبعاتها أدنى بكثير من تمكين العدو من فرض معادلات وقواعد اشتباك تصب في مصلحته. ويكون حينها "مقتضى المصالح الوطنية" حسب تعبير الأمين العام لحزب الله، "أن نذهب بالحرب إلى الأخير ومن دون حدود وضوابط".

