يحيى الإمام - خاص الأفضل نيوز
تأتي الزيارة الخامسة لوزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكن إلى تل أبيب، بعد جولة له شملت اليونان وتركيا وقطر والأردن والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، بهدفٍ ظاهره إنساني لتحسين صورة الولايات المتحدة الأمريكية لدى الرأي العام العالمي، وباطنه تأكيد الدعم الكامل للعدوان الصهيوني على غزة وتحويل الهزيمة المدوية عسكريًّا إلى انتصار سياسي.
ففي الوقت الذي مهّدَ فيه بلينكن في جولته لإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل السابع من أكتوبر من تطبيع للعلاقات بين العرب وإسرائيل، وفي الوقت الذي تحدث فيه مع الإسرائيليين عن ضرورة الحدّ من استهداف المدنيين في غزة، وعن الهدنة الإنسانية لإدخال مساعدات عاجلة لأهل غزة، وعن عودة سكان شمال قطاع غزة إلى بيوتهم دون انسحاب قوات الاحتلال ودون وقف العدوان بشكل كامل، وفي الوقت الذي توجّه فيه إلى مراسل الجزيرة معزيًّا، قال : إن الحرب يجب أن تستمر على حماس للقضاء على مقاتليها الذين يختبئون خلف المدنيين في المدارس والمساجد والمستشفيات، وكأن هذه المباني قد سلمت من الهمجية الصهيونية وبالسلاح الأمريكي والغطاء الأمريكي! وقبل أن ينهي بلينكن زيارته صرَّح كيربي من البيت الأبيض بأن الحرب على غزة لن تتوقف لأن وقف الحرب يعتبر انتصاراً لحماس.
وبعد أن كان تصريح البيت الأبيض بالأمس مفاده أن على " إسرائيل " أن تختار بين إرضاء بايدن أو إرضاء سيموريتش وبن غفير المتطرفين، جاء لقاء بلينكن مع سيموريتش الذي قال بشكل واضح : " إن إسرائيل تنطلق في حربها من المصالح الإسرائيلية دون سواها، ولا نقبل بوقف الحرب على غزة، ولا بد من تهجير سكان غزة وعلى أمريكا أن تقتنع بذلك كما حدث في أوكرانيا..."، وما كان من بلينكن إلا الإصغاء والتّفهم والمجاملة وتأكيد الدعم والمساندة خلافاً لما أظهره قبل الزيارة.
ولعل من أجمل الحِكمِ التي وردت في شعر أحمد شوقي وأكثرها واقعيةً وانطباقاً على واقع السياسة الأمريكية قولُه :" مُخطئٌ من ظَنَّ يوماً أن للثَّعلبِ دينا "، لأن الولايات المتحدة هي شريكة في العدوان لا داعمةً له فحسب، لا بل إن نتنياهو في اتصاله الأول ببايدن، في السابع من أكتوبر، وفيما بعد ذلك أكد وأعلن أن هذه الحرب هي حرب أمريكية قبل أن تكون إسرائيلية وأن على أمريكا أن تتحملَ مسؤولياتها وتدافعَ عن مصالحها بنفسها ودون وسيط، لا بل إنه ذهب أكثر من ذلك حين حاول مراراً توسيعَ دائرة الحرب إلى بيروت وطهران وسوريا واليمن قولاً أو فعلاً، وذلك لاستدراج أمريكا إلى التدخل المباشر بشكل أوسع و"تصدير إخفاقاته في غزة إلى لبنان " كما جاء في تصريح رئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي بعد اغتيال الشهيد صالح العاروري في الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت، مستفيداً من دعمها المباشر واللامحدود ومتذمراً من الإملاءات غير المقبولة حسب تعبيره.
إن من يراجع تاريخ أمريكا التي قامت على الاحتلال والقتل والتدمير ونهب ثروات الشعوب، من إبادة الهنود الحمر وتهجيرهم، واستخدام كل المحرَّمات في اليابان و فييتنام والعراق وأفغانستان وغيرها، يجد أن خروج العدو الصهيوني عن القانون الدولي والشرائع والمواثيق الإنسانية بدعم أمريكي مباشر أمرٌ غير مستهجَنٍ ولا مستغرب، ولكنَّ المستهجَن والمستغربَ والمرفوضَ هو ذلك الصّمت العربي، الرسمي والشعبي إلى حدٍّ ما، على الجرائم الموصوفة التي يرتكبها العدو الصهيوني في فلسطين و التي يندى لها جبين الإنسانية.
إن النفاق الأمريكي لا ينطلي اليوم على أحرار العالم، وبايدن ونتنياهو ومن معه من متطرفين سيسقطون ويهزمون في الأشهر القليلة المقبلة بفضل عناد المقاومة وثباتها وإيمانها وصبرها وبطولاتها التي تسجّلها كل يوم، وإن المقاومةَ الفلسطينيةَ وُجدت لتبقى ولسوفَ تبقى " كما قال السيد الرئيس والقائد الخالد جمال عبد الناصر.

