مهدي عقيل-خاص الأفضل نيوز
ما يجري في أروقة محكمة العدل الدولية في لاهاي، والذي تخشاه "إسرائيل" من أن يخدش حياءها وعفتها وصورتها الناصعة، لا يعدو أكثر من توصيف لما يجري في غزة منذ نحو مئة يوم، بأنه إبادة جماعية، وتوجيه إدانة لسلطات الكيان بهذا الصدد، علّها تُعجل في إيقاف حمام الدم هناك. لكن ذلك على تواضعه، يعتبر من إلانجازات المهمة التي تصب في صالح الشعب الفلسطيني وكل الشعوب المضطهدة في العالم.
وللتدليل على أهمية ما قد يصدر من إدانات للكيان من أرفع محكمة دولية، رغم أن قراراتها غير إلزامية ولا ترتب عقوبات على الدولة المعنية، بخلاف ما يصدر عن مجلس الأمن في فصليه السادس والسابع، وبسبب حجم التأثير المعنوي، حجب الإعلام العبري عن الجمهور الإسرائيلي ما تحتويه تلك الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا، فى 29 ديسمبر/كانون الأول 2023، والتي تطلب من محكمة العدل الدولية البدء بإجراءات ضد إسرائيل، لما وصفته بأنه "أعمال إبادة ضد الشعب الفلسطيني" فى قطاع غزة، وأنها تقوم باستخدام القوة من دون تمييز، وبتهجير الناس بالقوة، وبارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وبتنفيذ أعمال ينطبق عليها تعريف جريمة الإبادة الجماعية.
صاغت جنوب أفريقيا نص الدعوى بأقلام يحملها أبناء نيلسون مانديلا، الذين ذاق جيلهم أو جيل أسلافهم مآسي وويلات جرائم التمييز العنصري وجرائم ضد الإنسانية، دون الحاجة إلى المبالغة أبداً، كون ما قام ويقوم به الإسرائيليون في غزة أفظع بكثير من أن تخطه أو تختصره كلمات في دعوى قضائية، مهما بلغ عدد صفحاتها.
"موظفون في المؤسسات الإنسانية منذ وقت طويل، وخدموا في مناطق حروب وكوارث حول العالم، يقولون إنهم لم يروا شيئاً يشبه ما يرونه اليوم في غزة". وتنقل الدعوى جزءاً من أقوالهم: "نهاية العالم"، و"جهنم"، و"حرب، كل شيء غير مسبوق".
وبحسب الدعوى، يُقتل في قطاع غزة كل يوم أكثر من 115 طفلاً. ويقول المتحدث باسم اليونيسيف جيمس إلدار، إن ما يحدث "مقبرة جماعية للأطفال". مضيفاً "في أغلبية النزاعات، نسبة الأطفال من مجمل القتلى هي 20%. هنا وصلت إلى 40%". وفي كل ساعة، تُقتل اثنتان من الأمهات. وحتى وقت تقديم الدعوى، كان عدد القتلى 21 ألفاً، الآن، تجاوز العدد أل 23 ألفاً، وآلاف المفقودين. أغلبية المستشفيات انهارت، والقليل الذي تبقّى يوصف بأنه "مشهد من فيلم رعب"؛ لا أدوية، ولا أدوات تعقيم، ويتم بتر الأطراف نظراً إلى عدم وجود حل آخر، من دون تخدير، وعلى ضوء صغير. يتم علاج المصابين على الأرض المتسخة. والجروح تصبح ملوثة، ومليئة بالحشرات والذباب. الأطفال يموتون بسبب الإسهال والتلوث.
كثيرة الجرائم ر التي عرّجت عليها الدعوى في صفحاتها أل(84)، حيث أن جيش العدو لم يترك بنداً من بنود القوانين الدولية، لا سيما القانون الدولي الإنساني، إلا وانتهكه بأبشع الصور التي لا يتخيلها إنسان.
وعلى الرغم من الأدلة الجرمية الواضحة للعيان، والتي تدين إسرائيل، يقول موشيه إلعاد في صحيفة "مكور ريشون"، "ستقوم إسرائيل، طبعاً، برفض اتهامها بالإبادة الجماعية، وتتعامل معها كما لو كانت افتراء ضدها يشبه المؤامرات التي كانت تُحاك ضد اليهود في الماضي السحيق، وفي مواجهة هذه الاتهامات، ستقوم بعرض "مجازر" السابع من تشرين الأول/أكتوبر، بصفتها واحدة من أبشع الجرائم التي نفّذها فلسطينيون ضد الإنسانية". فيما زميله يوعانا غونين في "هآرتس" يعتبر ما حصل في غزة كارثة حقيقية، ويقول، "أن أحلام الوزير (عميحاي) إلياهو النووية ليست سوى حلم، أمّا الكارثة التي تحدث في غزة، فهي فعلاً حقيقية".
وعلى رغم من فظاعة ما ترتكبه إسرائيل، لامت جنوب أفريقيا واستغربت من دولة تبعد عن المنطقة نحو 4000 كيلومتر، توجيهها الاتهامات ضدها، وانتقدت الادعاءات المتعلقة بتدخُّل هذه الدولة المحيّر بنظرها. وبدورها، ادّعت جنوب أفريقيا أن لها الحق في اتخاذ هذا الموقف ضمن إطار ما يُطلق عليه في القانون الدولي(Erga Omnes ) في مواجهة الجميع، بمعنى أن أي دولة من الدول التي وقّعت الاتفاقية بشأن الإبادة الجماعية، لها الحق في تقديم الشكوى ضد أي دولة أُخرى يُشتبه في ارتكابها هذه الجريمة.
من حق إسرائيل أن تستغرب ما قامت به جنوب أفريقيا، في الوقت الذي لم تقدم أي من الدول العربية والإسلامية طيلة 75 عاماً على هكذا خطوة. علماً أن ما تقترفه إسرائيل في غزة ليس جديداً على "بلد" أغتصبت أرضه ولم تتورع عن ارتكاب جرائم إبادة منذ نشأتها الأولى.

