إسلام جحا _ خاصّ الأفضل نيوز
مئة يومٍ من الحرب خلَّفت ثلاثين ألف شهيدٍ وخمسينَ ألفَ جريحٍ وآلاف المفقودينَ من الفلسطينيِّينَ الآمنين كانتْ كفيلةً بأن يستفيقَ العالمُ من كبوتهِ للرَّدِّ بمِطرقةِ القانونِ على جرائمِ احتلالٍ عمرُه من عمر قوانين الفصل العنصريِّ "الأبارتايد" التي سُنَّت عام 1948 في جنوب أفريقيا، التي تقدَّمت بدعوى لمحكمةِ العدلِ الدَّوليَّةِ ضدَّ "دولةِ الاحتلالِ" لارتكابِها جرائمَ الإبادةِ الجماعيَّةِ بحقِّ الفلسطينيِّينَ.
وتتَّسم الدَّعوى المقدَّمة من قِبل الدَّولة الأفريقيّة ضدَّ الكيانِ الصُّهيونيِّ بعدَّة اعتباراتٍ مُهمَّة، أوَّلها: أنَّ جنوبَ افريقيا عانتْ لسنواتٍ من نظامِ العنصريَّةِ الذي عمِلَ مانديلَّا ودوكلارك على إسقاطِهِ. وثانيها: أنَّ الدَّولةَ المدَّعية هي دولةٌ أفريقيَّةٌ لا تربُطها بفلسطينَ أيَّةُ أصولٍ دينيّةٍ أو تاريخيَّة أو مصالحَ مشتركةٍ، كما لا تربُطها حدودٌ جغرافيَّةٌ تؤكّد صراعَها مع العدوّ الإسرائيليِّ، ما يجعلُ دعواها أكثرَ َتأثيرًا وأهمِّيّةً. وثالثها: أنّ هذه الدَّعوى ستفتح البابَ أمامَ محاكماتٍ أخرى للاحتلال الصهيونيِّ، بعد أن قضت محكمة العدل الدَّوليَّة سابقًا بعدم شرعيَّة جدار الفصل العنصريِّ ضدّ الفلسطينيّين في 9/7/2004.
إنَّ الاحتلالَ لا يمثُل اليوم أمام محكمةِ العدل بتهمٍ عاديَّةٍ كنزاعٍ بحريٍّ أو برِّيٍّ، إنَّما بواحدةٍ من الجرائمِ الأربعةِ الكبرى التي تُحاكِم عليها المحكمةُ الجنائيَّة الدَّوليَّة، فلماذا تمَّ اللُّجوء إلى محكمةٍ مدنيَّةٍ وليس إلى محكمةِ جناياتٍ؟.
يجيب الأستاذُ في القانونِ الدَّوليِّ العام مازن شندب للأفضل نيوز بالقول: تنصُّ اتفاقيَّة الإبادةِ الجماعيَّة في المادَّة 9 منها، والتي استندت عليها جنوبُ أفريقيا، على أنَّ محكمةَ العدلِ الدَّوليَّةِ هي المرجعيَّة الصَّالحة للنَّظرِ في تفسيرِ الاتفاقيَّةِ وتطبيقها، وبما أنَّ كلًّا من الدَّولة المدّعية والمدَّعى عليها طرفٌ في اتِّفاقيَّة الإبادة الجماعيَّة، ولم تتحفَّظ إحداهما على بند صلاحيَّة محكمة العدلِ، فإنَّ ذلك يعني أنَّ الكيانَ الصُّهيونيَّ ملزمٌ قانونًا بالذَّهاب إلى هذه المحكمةِ والقبولِ بأحكامِها.
وهنا، يميِّز الدُّكتور شندب بين الادِّعاء أمام المحكمةِ الجنائيَّة الدَّوليَّة التي تُحاكم كبار مجرمي الحرب والقادة العسكريِّين وتنظر عادةً في الجرائم الكبرى، ومحكمة العدل الدَّوليَّة التي تفصل في النِّزاعات بين الدُّول وتصدر أحكامًا وأوامرَ ملزمةً، وعلى الدَّولة المدَّعى عليها تنفيذ أحكام المحكمة، خصوصًا أنَّ دولة جنوب أفريقيا كانت قبلَ أسابيعَ قليلةٍ قد أحالت جرائم الاحتلال إلى الجنائيَّة الدَّوليَّة دون أن تحرّك المحكمة ساكنًا، على الرّغم من أنّ فلسطين دولةٌ طرفٌ في اتِّفاقية الإبادة الجماعيَّة، بالإضافة إلى توافر الاختصاص والشرط أمام الجنائية، ما يؤكِّد تغليب الاعتبارات السِّياسيَّة على القانونيَّة والإنسانيّة، ويفرض على الدَّولة المدّعية الادّعاءَ أمام محكمة العدل الدّوليَّة كما حصل بالفعل.
ومحكمةُ العدلِ الدَّوليَّة، بحسب شندب، ذاتُ أحكامٍ قانونيَّةٍ عليا، تُصدِر نوعين من القرارات: وهي الأحكام النِّهائيَّة التي يحتاج إقرارُها وقتًا قد يتجاوز الـ6 أشهر، والأوامر الإجرائيَّة والموضوعيَّة والأوامر العاجلة كالتي تُطالب بها جنوب أفريقيا من خلال 9 بنودٍ يُلتمَس من المحكمة عبرها أصدارُ أمرٍ بحقِّ "دولة الاختلال" لوقف الأعمال العسكريَّة والمعادية كافّة ضدَّ غزَّة، ضمن مدَّةٍ تتراوح من أسبوعٍ إلى 4 أسابيعَ، وذلك بموجب النِّظام الأساسي للمحكمة، بانتظارِ صدورِ القرار النّهائيِّ بحقّ "إسرائيل".
وردًّا على سؤالٍ عمَّا إذا كان الكيان المحتلّ يدفع ضمنيًّا بالذَّهاب إلى المحكمة لنيَّته إيقافَ الحربِ بسببِ استنزاف قوّتهِ العسكريَّة امام المقاومة، قال الدكتور شندب: الاحتلالُ يتعاملُ مع هذه الدَّعاوى على أنَّه غيرُ ملزمٍ بالتّعاون أو القبولِ بها، الأمرُ الذي يرجّح محاولة زعمه أنه مع "الشَّرعيَّة الدَّوليَّة" شكلًا. أمَّا في المضمون، فإصدار محكمة العدل الدّوليَّة قرارًا معيَّنًا فهذا يعطي الجمعيَّة العامَّة للامم المتحدة ومجلس الأمن حقَّ الدَّفع لتنفيذ القرار بموجب المادَّة 94، لكن وجود الولايات المتَّحدة سيجهض أيَّ مسعًى لإيقاف الحرب أو إدانة الاحتلال الصُّهيونيّ، حسب الأستاذ في القانون الدّوليّ مازن شندب.
وبغضِّ النظر عن النّتائج، فإنَّ القرارَ الذي ستنتصرُ له المحكمةُ سيكونُ سابقةً قانونيَّةً وسياسيَّةً وإنسانيَّةً تحُول مستقبلًا دون مزيدٍ من الاعتداءات على الشّعب الفلسطينيّ حتَّى لو مارسها كيانٌ لقيطٌ تدعمه الولايات المتَّحدة وحلفاؤها، ما يعني انتصارًا للمقاومة والشَّعب الفلسطينيّ عسكريًّا وقانوتيًّا وشعبيًّا من خلال حشد التعاطف العالميّ وانتزاع قرارٍ بإدانة الاحتلال بالشّكل على أقلّ تقديرٍ.

