أكرم حمدان – خاص "الأفضل نيوز"
منذ فترة كتبت عن أن العدالة الدولية على المحك، ولم أكن أعلم ما الفرق بين محكمة العدل الدولية وبين المحكمة الجنائية الدولية ، وبعد المشهد التاريخي الكبير لدولة جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية وهي تترافع في دعوى الإبادة الجماعية ضد كيان الإحتلال الصهيوني، والذي يعجز أي كلام عن وصفه ويستحق تكرارالشكر والتحية والتقدير، وجدت أنه من المفيد التذكيربالفرق بين المحكمتين تمهيداً لمواكبة مسار محاكمة قادة الإحتلال الصهيوني التي لا بد وأنها آتية على كل جرائم الإبادة التي أرتكبت بحق الشعب الفلسطيني والشعب العربي منذ وجود هذا الكيان المصطنع.
إن الفرق بين محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية،ومقرهما في لاهاي ، أن الأولى تحكم فقط بين الدول، وتقدم الدعاوى أمامها بإسم الدول ، ولا تصدر مذكرات إعتقال،بينما تحكم محكمة الجنايات على الأفراد ، ويحق لها إصدار مذكرات الإعتقال ضدهم.
وبما أن ما يجري في لاهاي هذه الأيام يرتبط بمحكمة العدل الدولية ، فمن الطبيعي التعريف بهذه المحكمة ومهماتها قبل الحديث عن مقاربة مجزرة أومذبحة "سربرنيتشا"البوسنية مع مجازر ومذابح غزة وفلسطين.
فمحكمة العدل الدولية هي هيئة قضائية تابعة للأمم المتحدة، تأسست بموجب ميثاق الأمم المتحدة (الفصل الرابع عشر) في 26 حزيران/ يونيو 1945بمدينة سان فرانسيسكو الأمريكية،ويطلق عليها أيضا إسم "المحكمة العالمية"، وهي الهيئة القضائية الرئيسية لمنظمة الأمم المتحدة، وتتمثل مهمتها، وفقا للقانون الدولي، في تسوية النزاعات القانونية التي تعرضها عليها الدول، وإصدارالفتاوى بشأن المسائل القانونية التي تحيلها إليها هيئات الأمم المتحدة ومؤسساتها المتخصصة المأذون لها بذلك.
وتتكون هيئة المحكمة من 15 قاضيًا يتم إنتخابهم من قبل الجمعية العامة ومجلس الأمن التابعين لمنظمة الأمم المتحدة لولاية مدتها 9 أعوام، فيما يعتبر جميع أعضاء الأمم المتحدة بحكم عضويتهم أطرافًا في النظام الأساسي لهذه المحكمة، كما يجوز لأي دولة أن تنضم إلى النظام الأساسي للمحكمة لكن بشروط تحددها الجمعية العامة لكل حالة بناء على توصية مجلس الأمن.
ويتم تنظيم إنتخابات كل 3 سنوات على ثلث المقاعد بسبب إنتهاء ولاية 5 قضاة خلال الأعوام الثلاثة الأولى من الولاية، ثم 5 في نهاية السنوات الست من الولاية مع إمكانية إعادة إنتخابهم، فيما ينتمي كل قاض بشكل ملزم إلى بلد مختلف كونهم لا يمثلون بلدانهم، بل يتميزون بالإستقلالية التي تسمح لهم بالنظر في النزاعات بشكل حر ودون ضغوط.
وتسعى محكمة العدل الدولية إلى مراعاة التوزان الجغرافي في طريقة تعيين وإنتخاب القضاة، لذلك يحتل القضاة الأفارقة 3 مقاعد، وأمريكا اللاتينية وبحر الكاريبي مقعدين، و3 مقاعد من نصيب منطقة آسيا و5 مقاعد لقضاة من الدول الغربية و2 لقضاة من أوروبا الشرقية ، مع العلم أن لكل الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن (الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا والصين وروسيا) قاض لها في هذه الهيئة.
قد يكون هذا التمهيد مفيداً قبل الحديث عن مقاربة مذبحة مدينة سربرنيتشا البوسنية التي ذهب ضحيتها 8000 مواطن من المسلمين بين عامي 1992 و1995 ، وقد إعتبرت محكمة العدل الدولية في قرارأصدرته في شباط/فبرايرعام 2007 أن المذبحة التي إرتكبها الصرب ضد البوسنيين المسلمين في مدينة سربرنيتشا عام 1995تتطابق مع تعريف الإبادة الجماعية.
وجاء حكم المحكمة بناء على طلب جمهورية البوسنة التي توجهت إلى المحكمة عام 1993 خلال الحرب التي ترافقت مع تفتت يوغوسلافيا السابقة.
وهذه هي المرة الأولى التي تخضع فيها دولة للمحاكمة بتهمة الإبادة الجماعية التي جرمتها إتفاقية الأمم المتحدة عام 1948 بعد الهولوكوست المزعوم الذي إرتكبه النازيون ضد اليهود.وكانت محكمة جرائم الحرب في يوغوسلافيا السابقة التي تشكلت عام 1993 بموجب القرار 827 بإسم "المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة"أوما عرف إختصاراً بالـ ICTY ،ومقرها لاهاي أيضا قد إعتبرت بدورها أن إبادة جماعية وقعت في سربرنيتشا، وحوكم على هذه الجريمة عدد من ضباط الجيش الصربي.
، وتم تحديد الإختصاص القضائي للمحكمة بالإنتهاكات الجسيمة لإتفاقيات جنيف وإنتهاك قوانين وأعراف الحرب، والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، كما تم تحديد أقصى عقوباتها بالسجن مدى الحياة.
وفي عام 2001، قضت هذه المحكمة بإجماع قضاتها بأن جريمة سربرنيتشا ، هي إبادة جماعية، وحتى عام 2005، حكمت المحكمة بأحكام مختلفة على 166 من مجرمي الحرب من مراتب متفاوتة بين جنود وضباط وجنرالات وقادة سياسيين. كان أبرزهم سلوبودان ميلوشيفيتش، الرئيس الصربي السابق، ورادوفان كاراديتش، رئيس جمهورية صرب البوسنة، وراتكو ملاديتش، الذي قاد جيش جمهورية الصرب البوسنية أثناء الحرب.
تنص المادة 94 من ميثاق الأمم المتحدة على أن كل عضو من أعضاء "الأمم المتحدة" يتعهد أن يطبق حكم محكمة العدل الدولية في أية قضية يكون طرفا فيها. وفي حال إمتنع أحد المتقاضين في قضية ما عن القيام بما يفرضه عليه حكم تصدره المحكمة، فالطرف الآخر له الحق أن يلجأ إلى مجلس الأمن، وبإمكان هذا الأخير تقديم توصياته أوإصدار قرار بالتدابيرالتي يجب إتخاذها لتنفيذ الحكم.
إن التذكير بهذه الوقائع يدفع إلى السؤال والتساؤل:هل ستنجح محكمة العدل الدولية بإصدارقرارواضح لجهة إعتبارما إرتكبه ولا يزال جيش الإحتلال وكيانه الصهيوني في غزة وفلسطين، يقوم بابادة جماعية؟؟
كما أن تجربة يوغسلافيا السابقة تُشكل تحدياً لمجلس الأمن الدولي الذي يُفترض به إتخاذ قرار بتشكيل محكمة جنائية دولية خاصة بإسرائيل.
على المحكمة أن تصدر أمراً قضائياً مؤقتا ضد إسرائيل لوقف إطلاق النار في قطاع غزّة ،والسماح للفلسطينيين بالعودة إلى منازلهم والتوقف عن حرمانهم من الغذاء والماء والمساعدات الإنسانية،والإمتناع عن التحريض على الإبادة الجماعية ومعاقبة من يقوم بذلك.
إن قرارالمحكمة ستليه تبعات وإجراءات سياسية ودبلوماسية مهمة،لذلك سمعنا صراخ رئيس وزراء كيان العدو بنيمين نتنياهو عندما بدات جلسات المحاكمة، فالقرار سيُعزز قباحة الصورة التي التقطتها شعوب العالم عن إسرائيل، كما سيحرج جميع دول العالم،التي تتباهى بديمقراطياتها وأنظمتها السياسية وإحترامها لحقوق الإنسان وهي تستمر بدعمها لكيان مجرم متهم بإرتكاب جرائم إبادة، كما أن القرار يُفترض أنه مناسبة لبعض الدول والأنظمة العربية التي لها علاقات سياسية و دبلوماسية وإتفاقيات سلام وتطبيع مع إسرائيل، بأن تخجل من نفسها وتقطع هذه العلاقات.
إن موقف جمهورية جنوب أفريقيا التاريخي ليس غريباً على هذا الشعب الذي قال زعيمه الراحل نيلسون منديلا،عندما تحرر من السجن بعد ٢٧ عاماً فيه عام ١٩٩١ ، "إن حريتنا لم تكتمل ما لم يتحرر الشعب الفلسطيني".

