مهدي عقيل - خاص الأفضل نيوز
في الوقت الّذي يغرق فيه جيش الاحتلال بوحل غزة، منذ ما يزيد عن مئة يوم، يشتعل شمال الضفة ويعود بذاكرة الإسرائيليين إلى عام 2002، إذ يتخبّط العدوّ في اختيار الطريقة التي قد تنفعه في إطفاء تلك النّيران.
منذ السّابع من تشرين الأول/أكتوبر، لم ينفك المستوطنون عن التّنكيل والاعتداء على أبناء الضّفة، والعمل على تهجيرهم من مزارعهم وقراهم، حيث باتت أكثر من 18 قرية فلسطينية خالية من أبنائها بالكامل، وعشرات القرى الأخرى تمَّ تهجير نسب كبيرة من ساكنيها.
هذا يجري على مرأى ومسمع من جيش الاحتلال، الذي بدوره لم يُقصّر في قتل المئات وأسر الآلاف وخنق البلدات والمدن الفلسطينية وفصلها عن بعضها البعض ونشر مئات الحواجز الثابتة والظّرفيّة. وذلك بدفع وتحريض من وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، الذي سلّح كافة المستوطنين، حيث قام بتوزيع السّلاح عشوائيًّا، دون مراعاة للشّروط المتّبعة، سواء على مستوى أهليّة الفرد أو البيئة المشحونة التي تتطلّب مزيدًا من الحكمة والتّروّي حتّى لا تنفلت الأمور بنظر الكثير من القيادات الإسرائيليّة.
وقد ذهب بن غفير إلى ما هو أخطر من ذلك، في معارضته فتح أيّ تحقيق يُدين الجنود، وفتح معركة مع رئيس الأركان هرتسي هاليفي منتصف الشّهر الماضي، إثر محاولة الأخير معاقبة جنود الاحتلال الذين وزّعت لهم فيديوهات مسجّلة وهم يؤدّون صلاة تلمودية بمناسبة ما يسمّونه عيد "حانوكا" عبر مكبّرات الصّوت في أحد مساجد جنين عقب اقتحام المخيم.
ومع كلّ هذه الاعتداءات على أبناء الضّفة، ينبري وزير الدفاع الإسرائيلي، يوآف غالانت، ليقول: "حماس تحاول إشعال الضفة"، وكأنّ الأوضاع بالضفة بحاجة لمن يُشعلها في ظلِّ الإبادة الجماعية الّتي تنفّذها حكومة العدوّ في غزة.
ومن حوالي أسبوع، بدأت تتأزّم الأوضاع أكثر في شمال الضّفة، وما تعرّضت له طولكرم أبرز دليل على ذلك. واعتماد الجيش على الطائرات المسيرة بشكلٍ كثيفٍ، واستدعائه لعددٍ من الوحدات العسكريّة، في محاولة منه لاحتواء الموقف، لا سيما بعد حادثة الدّهس في مدينة رعنانا، ظهر الاثنين الفائت.
ويقول المحلّل العسكري في "هآرتس"، عاموس هرئيل، بشأن مواجهة ازدياد حجم الهجمات والتّحذيرات من هجمات في الضفة، وانطلاقًا منها، "تقف قوّات الاحتياط التي تمّ استدعاؤها منذ أكثر من 3 أشهر، بمساعدة من وحدات من حرس الحدود. في الشّهر الماضي، أعيدت إلى الضّفة وحدة نظاميّة من قوّات النّخبة، هي وحدة المستعربين (الدوفدوفان)، التي جرى إخراجها من القطاع لهذا الغرض. هذا التّغيير في المهمّات يدلُّ على تخوّف قيادة المنطقة الوسطى من فقدان السيطرة على الوضع في غزة".
وثمّة من يُعزي أسباب التّوتّرات في الضّفة إلى الضّغط الّذي يُمارس على السّلطة الفلسطينية ويمنعها من القيام بدورها، وإلى التّقليصات في رواتب موظّفيها وتجميد إسرائيل تحويل أموال الضرائب العائدة لها، بضغط من وزير المال الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش. إضافة إلى الاستغناء عن العمالة الفلسطينية داخل الخط الأخضر. والتي تدرُّ أموالاً على أبناء الضفة وتساهم في تحريك العجلة الاقتصادية فيها.
وذكرت "هآرتس" في افتتاحيتها ليوم الأربعاء الماضي، "رسالة المؤسّسة الأمنيّة لا تحتمل الجدل: إسرائيل مضطرة إلى التخفيف من خطورة الوضع الاقتصادي المتفاقم في الضفة. الأميركيون أيضاً يبعثون إلى إسرائيل برسالة مشابهة". ومن أجل تخفيف الأزمة الاقتصادية في الضفة، تقول الصحيفة أنّه "يتعيّن على إسرائيل السّماح بدخول محدود ومراقَب جيداً للعمّال الفلسطينيين، حتى في ذروة الحرب، تماماً كما تسمح حاليًّا بدخول محدود ومراقَب للعمال الفلسطينيين إلى المستوطنات.
كما يجب على الحكومة تحويل أموال الضرائب العائدة إلى السلطة الفلسطينية، من دون اقتطاع الجزء الذي يحوَّل إلى غزة".
ونوعام أمير، وفي مقالة له في " مكور ريشون"، يخالف هذه النظرية، ويؤكّد بأنّ "المؤسسة الأمنية لم تتعلم من أخطائها. الحكومة توافق على توصيات الشاباك والجيش اللذين يعتبران أن عدم السماح بدخول العمال الفلسطينيين للعمل في إسرائيل، وعدم تحويل الأموال إلى السلطة الفلسطينية، والتي تصل في نهاية المطاف إلى عائلات "المخربين"، معناه انتفاضة ثالثة. هذا الموقف خاطئ من أساسه".
لكن بصرف النّظر عمّا يقوله هذا وذاك، فطالما بن غفير وسموتريتش ممسكان برقبة حكومة بنيامين نتنياهو، الأول يهدد بعملية "سور واقي" جديد أو "سور واقي2"، والثاني قابض على مال السّلطة الفلسطينية، ستبقى الضّفة مشتعلة وغزة وكلّ الجبهات حتّى يقضي الله أمرًا كان مفعولا.

