عبدالله قمح - خاصّ الأفضل نيوز
توصلت الولايات المتحدة الأميركية، قبل فترة غير بعيدة، إلى خلاصة مفادها، أن الثروات الطبيعية التي تعوم فوقها دول الخليج، ستنضب أو أنها لن تكون بعد الآن عبارة عن كميات تجارية يصلح تصديرها، وإن فترة استثمار "دول الخليج" لهذه الثروات، لا تكثر عن 15 عاماً وإن المستقبل لدول "البحر المتوسط" أو "الشرق الأوسط"، العائمة على الغاز، والتي تشكل خزاناً حيويًّا من المتوقع أن يدوم استخدامه (أو الإنتاج منه) فترة لن تقل عن 45 عاماً.
لهذا السبب، جرى التحول في دول الخليج، من الاقتصاد القائم على مردود الثروات الطبيعية، إلى الاقتصاد الاستثماري، حيث باتت هذه الدول تستفيد من هذه الفترة من أجل تجميع الاستثمارات كعنصر أساسي لبناء اقتصاد المستقبل المتحرر من البترول. أما دول البحر المتوسط أو "شرق المتوسط" وفق التوصيف الجيوسياسي الأميركي، حلت عليها اللعنة بفضل الأخيرة.
في لبنان، توقفت حاليًّا جميع الأنشطة البترولية / الغازية المتعلقة بالاستكشافات في البحر، بفعل الحرب الجارية في غزة، وهو العنوان المباشر المعلن عنه اليوم. وكان لبنان قد وقع تحت حظر بترولي غير مباشر مصدره الولايات المتحدة الأميركية دام أعواما طويلة، إذ لم يتمكن منذ أكثر من 15 عاماً وعلى الرغم من النشاطات المتتالية، من استكشاف أي حقل غازي أو نفطي، على الرغم من أنه يصنف من ضمن الدول شديدة الاستفادة من هذه الثروات في عمق البحر.
في سوريا، أدت الحرب وتؤدي مفاعيلها وتداعياتها، والحصار الأميركي عليها والخلافات الحدودية سواء مع لبنان أو مع غيره، إلى عدم تمكنها من تحديد حقولها كخطوة أولى للتلزيم ومن ثم بدء الاستكشافات الغازية. ويبدو أن الموضوع سيطول ربطاً بعدم قدرة أي من الشركات الكبرى المعنية على القدوم إليها والبدء بمشاريع الاستكشاف.
في ليبيا حيث الغاز يشكل عنصراً واعداً، تتسبب الحرب بالاضرار في مصلحة هذا البلد، فيما قبرص تحظى بمفارقة كونها تسير بخطى مدروسة صوب استكمال استكشافاتها بعدما جرى التوصل إلى اتفاقات حيال الحقول المتداخلة مع إسرائيل.
من قائمة البلدان، تعتبر مصر الوحيدة التي استطاعت استثمار ثرواتها، وقد وصلت إلى الاكتفاء الذاتي من الغاز بحلول عام 2018، لاسيما بعدما تمكنت من استكشاف حقل "زُهر" المعد أحد أكبر الاستكشافات المصرية، وواحد من أكبر حقول الغاز في العالم. هذا الموضوع دفع بمصر إلى تعزيز حضورها العسكري، من خلال تقوية القوات البحرية لديها وتعزيز قدراتها، أيضاً تعزيز المشاريع الاستكشافية لديها. ووفق تقارير مواقع مختصة بالأنشطة العسكرية، فإن القوات البحرية المصرية باتت تشكل من حيث الحجم القوة السادسة على مستوى العالم.
بقيت إسرائيل دولة الاحتلال وقطاع غزة. الأولى ومن خلال التدخل الأميركي، استطاعت تمكين نفسها من إنجاز استكشافات هائلة والبدء بعمليات الانتاج سواء الداخلي أو الخارجي بما في ذلك بيع المخزون.
وكان أحدث حقل تمكنت من الاستفادة منه هو "حقل كاريش" الذي يقول خبراء لبنانيون أن لبنان يمتلك نصفه فيما لو جرى الترسيم البحري كما يجب ووقفاً للقانون الدولي. بفعل التدخل الأميركي والتخاذل السياسي اللبناني، ذهب هذا الحقل إلى إسرائيل، فيما هذه الأخيرة مقبلة على استثمار مئات الملايين من الدولارات لصالح استكشافات أخرى في عمق البحر.
بقيت غزة، المنطقة العائمة بدورها على بحر من الغاز، والمنطقة المصارعة لإسرائيل التي يجب أن تبقى في وضع اقتصادي كارثي. لدى غزة حقل يقع في جوار الأراضي المصرية يدعى "غزة مارين" أو (مرفأ غزّة).
يقدر خبراء إسرائيليون بما فيهم آخرون من الولايات المتحدة، أن هذا الحقل يعد من أكبر الحقول الغازية في المتوسط. لأجل ذلك، سعت الولايات المتحدة خلال فترة النقاشات الحدودية مع لبنان، من أجل التوصل إلى حل للحقل. حينذاك، طرح العدو الإسرائيلي، بصفته المسيطر على البحر الفلسطيني، نظرية تقول بأنه يقبل البدء بالاستكشافات في الحقل الغزاوي، لكن بشرط، أن يجري تقسيم الحقل مناصفة بين الجانبين، أي الفلسطيني (ويجري التوصل إلى اتفاق حول الجهة التي ستتولى إدارة الأموال) والإسرائيلي. كذلك اشترطت تل أبيب أن تتولى شركة يجري الاتفاق عليها بين الجانبين عملية الاستكشاف.
فيما بعد، علمًا أن إسرائيل تفضل أن تتولى شركة "أنرجين" التي تمتلك حصصًا كبيرة في هذه العمليات. رفض الفلسطينيون الغزاويون هذه الصيغة.
الآن وبعد عملية طوفان الأقصى وما تلاها من عدوان همجي في استهداف قطاع غزة، وردة الفعل الإسرائيلية وما يتخللها من عمليات القتل والإبادة، وظهور خطط لها علاقة بالسيطرة على "بحر غزة" و "طرد سكان القطاع" وتهجيرهم والسيطرة عليه، أو إقامة مناطق عازلة، أو الافكار المتداولة إسرائيليًّا حول السيطرة الأمنية على القطاع، والرغبة الإسرائيلية بوضع اليد عليه، تبين أن كل ما يجري ليس محض صدفة إنما مخطط له، وقد يكون مرتبطًا بموضوع الغاز والثروات، ومتصلًا بالرغبة الإسرائيلية في وضع اليد على هذه الثروات، وعدم تركها للفلسطينيين لاسيما أهالي غزة، مع التشديد على أن إسرائيل تعتبر أن البحر الفلسطيني بكل من فيه من ثروات وحتى أسماك حق مكتسب لها!
ما يجري اليوم في قطاع غزة، أعاد الاعتبار إلى موضوع أهمية الغاز، ووضعية البحر المتوسط، والخطط الجاهزة للتحرك من أجل عسكرته، وأعاد تسليط الضوء على "حروب الغاز والثروات"، والمكاسب والدور الأميركي، والتحركات الأميركية الدبلوماسية في ما خص ملف الطاقة. ولا بد من الإشارة إلى أن اندلاع الحرب في المنطقة، أسهم بدخول أميركي بحري واضح على الملف، تمثل بإرسال بوارج وحاملات طائرات إلى المتوسط، والأهم، التسريبات الأميركية التي تتحدث عن عزم الأخيرة إنشاء "قواعد بحرية" تحت شعار "حماية إسرائيل".

