علي دربج - خاص الأفضل نيوز
تشهد الهند هذه الايام، انقلابا جذريا في هويتها المجتمعية، إذ تتجه اكثر فأكثر نحو التطرف القومي الديني الذي يقوده رئيس الوزراء ناريندرا مودي. فبعد مرور 31 عامًا على تدمير المسجد البابري في حدث زلزالي في التاريخ الهندي الحديث، اقدم مودي على خطوة ايقظت التوترات الطائفية من جديد، في بلد يعاني من اضطرابات مستمرة على خلفيات دينية.
فنهار الاثنين الفائت دشن رئيس الوزراء الهندي القومي المتطرف، لمعبد هندوسي بلغت تكلفته حوالي 300 مليون دولار على التل (اي الار) المتنازع عليه مع المسلمين - يعتقد الكثير من الهندوس أنه مسقط رأس إله محبوب - الامر الذي احدث بالتالي نقطة تحول أخرى في الهند، تمثلت بانتصار الأيديولوجية القومية الهندوسية، على الرؤية العلمانية المتعددة الثقافات التي تبناها مؤسسو البلاد.
اما اللافت فكان كلام مودي الذي تصرف كزعيم لمجموعة قومية قبلية، وليس رئيسا منتخبا لدولة بحجم الهند. فبدل ان يعمل على تنفيس الاحتقان والتوتر الطائفي الذي بلغ ذروته، بسبب هذه الاحتفالية التي استفزت المسلمين، رفع سقف خطابة المتشدد خلال كلمة ألقاها بعد خروجه من الحرم الداخلي المزخرف للمعبد قائلا: "يجب ألا ننحني بعد الآن. يجب ألا نجلس بعد الآن. إن روح اللورد رام موجودة في الصفحة الأولى من دستورنا. ومن المؤسف أنه كان علينا أن نقاتل لإثبات وجود سيدنا ".
وما قصة هذا المعبد وما علاقة المسلمين بالامر؟
في العام 1992، اقتحم المتطرفون الهندوس مسجداً يعود تاريخه إلى القرن السادس عشر في مدينة أيوديا الواقعة على نهر الهند، ودمروه تماماً، وذلك على خلفية اعتقاد العديد من القوميين الهندوس أن "معبدًا هندوسيًا كان موجودًا في الموقع قبل أن يهدمه الغزاة المسلمون في القرن السادس عشر لإفساح المجال أمام مسجد بني باسم بابور، مؤسس الإمبراطورية المغولية".
أشعلت عملية الهدم أعمال شغب دينية أسفرت عن مقتل 2000 شخص في جميع أنحاء البلاد، وأثارت غضب شخصيات في حزب بهاراتيا جاناتا، ودفعت الغوغاء المتهمين بالتحريض، لإصدار اعتذارات علنية.
وكانت حملة معبد رام، وصورة حزب بهاراتيا جاناتا، تعرضت لانتكاسة في عام 1992 عندما دمر المسجد، مما شكل صدمة للعالم أجمع. لكن بعد معركة قضائية استمرت عقودا، قضت المحكمة العليا الهندية في عام 2019 بإمكانية بناء معبد هندوسي على قمة التل.
وباعتباره حزبًا سياسيًا هامشيًا في الثمانينيات، اكتسب حزب بهاراتيا جاناتا قوة جذب وطنية من خلال جعل بناء المعبد قضية رئيسية حفزت أصوات الهندوس.
ومع اعادة انتخاب مدوي بعد حملة قومية هندوسية شديدة، وضع الأخير ، حجر الأساس في موقع البناء في عام 2020، مطلقا صفارة بدء العمل بالمعبد الذي يرتبط، في بعض النواحي، بصعود الحركة القومية الهندوسية، وأبرز جناحها السياسي، حزب بهاراتيا جاناتا، وجهودهم لتحويل الهند إلى دولة دينية.
اكثر من ذلك، وصف سياسيو حزب بهاراتيا المعبد ـــ يضم سبعة مزارات و قبة شاهقة يبلغ ارتفاعها 160 قدمًا، وأراضي تقدر مساحتها بما يقرب 71 فدانًا ــ بأنه رمز لسياسة جديدة، وقالوا الهند غارقة بفخر في الهندوسية، عقيدة 80% من السكان.
وما هي انعكاسات افتتاح المعبد على هوية الهند كدولة متعددة الطوائف والاثنيات؟
عُدّ افتتاح المعبد انتصارا للقوميين الهندوس، وتبعا لذلك، قال راجافان جاغاناثان، مؤلف كتاب “Dharmic Nation”، وهو (كتاب) يشدد على الطابع القومي الديني للهند، "لقد حصل الهندوس على نهاية قصيرة للعلمانية، حيث يمكن للأقليات أن تحتفل بهويتها الدينية، ولكن كان على الأغلبية الهندوسية قمع هويتهم الدينية". واضاف "لهذا السبب ترى احتفالاً واسع النطاق الآن. هذا المعبد هو حفل خروج للهندوس، أخيرًا أستطيع أن أصبح هندوسيًا دون خوف".
بالمقابل، يخشى الكثير من المعارضين، من أن الاحتفالات الدينية التي تشجعها الدولة - والحديث عن التفوق الهندوسي والانتقام التاريخي - أظهرت كيف انحرفت الهند في عهد مودي عن رؤية أولئك الذين ناضلوا من أجل الحرية، بما في ذلك المهندس غاندي، المدافع عن حقوق الأقليات، خصوصا سلامة مواطنيه المسلمين عندما اندلعت أعمال الشغب بينهم وبين الهندوس.
وفي السياق ذاته، اوضح نيلانجان موخوبادهياي، كاتب سيرة مودي، إن حدث افتتاح المعبد يمثل "عصرًا يكون فيه رئيس الوزراء هو الكاهن الأكبر للهندوسية، مما يطمس جميع الخطوط بين الدين والسياسة من ناحية، وبين الدين والدولة الهندية من ناحية أخرى". وأضاف موخوبادهياي: "نحن في طريقنا إلى أن نصبح دولة ثيوقراطية (اي دينية) بحكم الأمر الواقع، حيث تصبح الهندوسية الدين الرسمي". وتابع " سيكون من الصعب جداً على البلاد وأقلياتها الدينية العودة إلى ما كانت تعيشه قبل عام 2014".
الجدير بالذكر انه، ومنذ انتخاب مودي في ذلك العام، دفعت الجماعات القومية الهندوسية الجريئة إلى إصدار تشريعات لا تشجع الزواج بين الأديان والممارسات الثقافية الإسلامية. كذلك زايدت التقارير عن جرائم الكراهية ضد المسلمين
علاوة على ذلك، من المتوقع أن يمنح تكريس المعبد، مودي دفعة قبل الانتخابات الوطنية المتوقعة في نيسان/ أبريل المقبل، والتي من المرجح بشدة أن يفوز فيها بولاية ثالثة.
على المقلب الاخر، وفي وقت قاطعت العديد من أحزاب المعارضة الحدث، وبخ بعض اللاهوتيين الهندوس رفيعي المستوى، المعروفين باسم شانكاراتشارياس، رئيس الوزراء لتكريسه معبدًا غير مكتمل في انتهاك للكتاب المقدس الهندوسي وتحديد موعد لحدث ديني في الفترة التي سبقت الانتخابات.
اما مودي، فقد تجاهل الانتقادات مستشهدا بدعمه الإلهي. وخاطب ناخبيه في مقطع فيديو هذا الشهر حصد 4.2 مليون مشاهدة على وسائل التواصل الاجتماعي: قائلا: "لقد جعلني الله ممثلاً لشعب الهند خلال الحفل". "أطلب البركات منكم جميعاً."
وما هو تأثير افتتاح المعبد على المسلمين؟
في الحقيقة، أعطى نجاح مشروع معبد رام زخما جديدا للقوميين الهندوس الذين يقولون إنه يجب استبدال المساجد الأخرى في جميع أنحاء البلاد بمعابد لتصفية حسابات تاريخية.
وبالفعل، دعا الناشطون الهندوس إلى إجراء دراسات لفحص ما إذا كان المسجدان الرئيسيان في مدينتي فاراناسي وماثورا الشماليتين، قد بُنيا فوق معابد دمرها الغزاة المسلمون - وهي النتيجة التي من المحتمل أن تدعم الحجج المؤيدة لهدمهما.
ليس هذا فحسب، دعا أنانتكومار هيغدي، الوزير السابق في حكومة مودي، الأسبوع الماضي إلى تدمير المساجد في جنوب الهند أيضًا باسم "الانتقام، الانتقام، الانتقام". وقال هيغدي: "إذا لم ننتقم طوال الألف عام، فيمكن للمجتمع الهندوسي أن يقول بوضوح إن دماءناا ليست دماء هندوسية".
في المحصّلة، يرى القوميون المتطرفون "إن راشترا الهندوسية أمر لا مفر منه الآن"، في إشارة إلى تشكيل دولة هندوسية. فمعبد رام، كان وفق وجهة نظرهم مجرد البداية. فالاتي هو المزيد من المعابد، والمدارس الدينية، والمزيد من الهنود يعودون إلى عيش حياة هندوسية متدينة.

