يحيى الإمام - خاص الأفضل نيوز
لم يسبق أن ارتبطتٰ مدينةٌ أو إقليمٌ بقائدٍ تاريخيّ بعد رحيله كما ارتبطت غزةُ هاشم وتعلّقت فكريًّا وعاطفيًّا بالقائد الخالد جمال عبد الناصر، فكيف كان ذلك؟ وما سرّ هذه العلاقة الوجدانيّة بينهما؟
من حيث الشّكل، هناك ثلاثة شوارع رئيسية في قطاع غزة لها أهميّة حيوية وتربط بين المخيمات التي تعجّ بالمناضلين المقاومين المجاهدين: شارع الرشيد وشارع صلاح الدين وشارع جمال عبد الناصر.
ومن حيث الشّكل أيضًا هناك مجمّع ناصر الطّبّي، أو مستشفى ناصر، وهو من أقدم المستشفيات التي قُدّمت دعمًا ومساندةً لصمود أهلنا النازحين إلى غزة والمرابطين فيها وحملت اسم القائد الخالد وفاءً له ولنهجه العربي الوحدوي النهضوي التحرّري المقاوم.
كيف لا وهو الذي تطوّع مع الفدائيين للقتال في غزة عام ١٩٤٧ في مواجهة العصابات الصهيونية الخمس، قبل تحرّك جيش الإنقاذ العربي، وقبل قيام الكيان الغاصب بدعم مباشر من سلطة الانتداب البريطاني الغاشم، وهو الذي حوصرَ في الفالوجا في قلب غزة عام ١٩٤٨ ولم يرضخ ولم يستسلم في التفاوض غير المباشر، وإنما لفت أنظار الوسطاء بعناده وثباته، وهذا ما جعل أول رئيس وزراء للكيان الصهيوني بن غوريون في العام ١٩٥٣ يجمع عنه المعلومات المتوفرة أثناء الحصار وما بعده ويطرحها على الإعلامي البريطاني الشهير ريشارد كروسمان، والذي أصبح وزيراً فيما بعد، والتقى بعبد الناصر.
لقد أدرك بن غوريون كما كروسمان بأنّ عبد الناصر، مع رفيقه كمال حسين وآخرين من الضباط المصريين، قد بدأوا التفكير بتشكيل تنظيم الضباط الأحرار من الفالوجا في غزة هاشم عام ١٩٤٨ كردٍّ طبيعي على استسلام النظام العربي لإرادة قوى الاستعمار وعلى ضعفه وعجزه وهوانه أمام التحديات.
وفي المضمون والجوهر، فقد ظلّت غزة بشيبها وشبابها ونسائها وأطفالها أوفى العرب والمسلمين لنهج المقاومة والشهداء، تردّد قولاً وفعلاً مقولات القائد الخالد جمال عبد الناصر ولاءاته في مؤتمر الخرطوم عام ١٩٦٧ حين كان مهزوماً وقال: (لا صلحَ ولا اعتراف ولا تفاوضَ ولا مساومةَ على أيّ حقٍ من حقوق الشعب الفلسطيني الشقيق .. وإن المقاومةَ الفلسطينيةَ وجدت لتبقى ولسوف تبقى...)
ولقد تربّت أجيال من المجاهدين في غزة على مبدأ سياسي عقائدي ذهبي أطلقه الزعيم الخالد أبو خالد وهو قولُه: (إنّ ما أخذ بالقوة لا يستردُّ بغير القوة)، ورفضوا كلّ أشكال الاستسلام والتطبيع انطلاقاً من فهمه وإدراكه وقوله: (إنّ الاستعمار لن يحملَ عصاه على كاهله ويرحلَ بالإقناع والمنطق، كذلك فإنّ إسرائيلَ لن تنزاح من الأرض العربية رضاءً وسلاماً)، وانطلاقاً من رؤيته الصائبة للمقاومة بأنّها كانت ولا تزال بقعة الضوء الوحيدة في ليلنا العربي الحالك السواد ...
وفي اليوم التالي لرحيل الرئيس مرسي، وفي مقابلةٍ تلفزيونيةٍ مع القيادي المجاهد محمود الزهّار على شاشة الجزيرة سألته المذيعة: (ألم يكن الرئيس محمد مرسي العيّاط هو الأقرب إلى فلسطين والأكثر تبنّيًا للقضية الفلسطينية بين الرؤساء المصريين منذ قيام الاحتلال؟)، قال أبو خالد الزّهار: (لا، فللحقّ والعدل والإنصاف أقول: "كان الرئيس جمال عبد الناصر هو أكثر من ضحّى وقدّم لفلسطين وشعبها، فقد قاتل على أرضها، وقدّم لشعبها كلّ دعم ومساندة، ودافع عن ثورة شعبها ومقاومتها، وعلى سبيل المثال، كنت واحداً من الطلاب الفلسطينيين الذين تعلّموا مجانًا في جامعات القاهرة، وكان عبد الناصر قد أمر لنا بمعونة من الدولة قدرها 2.5 جنيه تصرف لكلّ طالب فلسطيني ..."
وفي أجواء ذكرى ولادة عبد الناصر وبعد هذا الصمود الأسطوري لأهلنا في غزة في مواجهة آلة القتل والتدمير والتهجير نقول: لا يمكن للفرس الأصيلة أن تنسى فارسَها الشّهم المقدامَ النبيل مهما طال الزمن، ولعل الفيلم الذي انتشر منذ أيام لسيدة مُسنّة من غزة وهي تبكي وتقول: (لو كان عبد الناصر حيًّا لما كان هذا الخذلان العربي ولا استمرّ العدوان دون تأديب العدو....).
رحم الله جمال عبد الناصر والمجد والخلود لنهج المقاومة والشهداء والعزة والكرامة للأمة...
نعم كلّ رجل قياديّ مقاوم في غزة اليوم هو جمال عبد الناصر، وقد صدق الشاعر حين قال :
(إذا مات منّا سيّدٌ قامَ سيّدٌ
قؤولٌ لما قالَ الكرامُ فعولُ).

