خليل حرب- خاص الأفضل نيوز
لم يبتكر الفلسطينيون الأنفاق، ولا ينسبون لأنفسهم الفضل بهذا التكتيك الذي عرفته البشرية منذ عهد الآشوريين على الأقل، لكنهم بالتأكيد وضعوا بصمة تاريخية لمجدهم وفن البقاء على الحياة هذا.
تظهر حرب الأكثر من 100 يوم، أن أنفاق غزة هي التي مكّنت المقاومين من الصمود أمام واحدة من أعتى جيوش الترهيب والتدمير في العالم.
إنّ ما قام به الفلسطينيون هو تطوير فنّ النجاة، بشكل لم يعهده التاريخ من قبل.
وليس سرًّا أنّ غزة كانت تكافح من أجل البقاء بعدما فرض عليها ما يشبه العزلة الكاملة منذ نحو 17 سنة حيث لا شرايين حياة لها تربطها مع الخارج، عبر ميناء أو مطار أو معابر بريّة مفتوحة، بما في ذلك رفح الذي تخضعه إسرائيل لتفتيشها وأهوائها وقمعها كيفما شاءت.
وفي الأساس، فإنّ الأنفاق الفلسطينية ليست ترفًا، ولا يجوز وصفها أخلاقيًّا، بأنّها ل"التهريب".
هي في جوهرها تعبير ناصع عن التّمسك بالحياة. لقمة العيش كانت أساس أهدافها، لكنها تطوّرت مع استطالة الحصار والخنق الذي مارسه الاحتلال، إلى شريان للمقاومة لاقتناء ما أمكن، من سلاح ورصاص وعتاد.
صحيح أنّ الاحتلال أخلى مستوطناته ومواقعه العسكرية من داخل قطاع غزة نفسه في العام 2005، إلّا أنّه لم يفعل ذلك سوى مرغمًا بعدما خاض آخر معركة له مع الفدائيين لمنعهم من استهدافه بعدما ظلّ جاثمًا على صدور الفلسطينيين منذ العام 1967. لكنه لم ينجح، فانكفأ إلى الخلف بالفعل، إلّا أنّه فرض طوقًا شاملًا حول غزة، بكل ما أوتي من قواعد عسكرية وتكنولوجيا أنظمة مراقبة ورصد ودبابات وألغام، ليبقي أهلها تحت رحمته.
وبهذا المعنى، فإنّ الأنفاق، هي تعبير فلسطيني مطلق عن التّمسك بالحياة، وليست لا إرهابًا ولا إجرامًا، مثلما يجري تصويرها في الأعلام الغربي عمومًا، وكأنّما حياة الفلسطيني كانت طبيعية لولا أنّه لجأ إلى ارتكاب "جريمة" الأنفاق لإنجاح "طوفان الأقصى"، ومحاولة الصمود بعدها.
ينسى كثيرون، أنّ الفلسطينيين لم ينزلوا إلى تحت الأرض، سوى لأنهم كانوا عرضة متواصلة للاعتداءات الإسرائيلية فيما بعد العام 2005 (وحتّى قبلها) تتراوح من الحملات العسكرية الكبيرة وصولًا إلى الاغتيالات المستهدفة حيث كان الاحتلال كمن يمارس هواية "الصيد" كلما لاح أمامه هدف من القياديين أو المقاومين، وأحيانًا المواطنين العزل في منازلهم.
وخلال نحو 17 سنة، شنَّ الاحتلال سلسلة من الحملات العسكرية الكبيرة، بينها عدوان "الرصاص المصبوب" (2008)، وعدوان "عمود السحاب" (2012)، وعدوان "الجرف الصامد" (2014)، و"حارس الأسوار" (2021) و"الفجر الصادق" (2022). وألقى الاحتلال خلال هذه الهجمات آلاف الأطنان من القنابل والصواريخ.
ما لا يدركه كثيرون، أن الفلسطيني صار أكثر اطمئنانًا تحت الأرض، خلال الشهر الأول من العدون الحالي على غزة، ألقي على غزة ما يعادل قنبلتين نوويّتين. طوّر الفلسطينيون فنّ البقاء هذا، بما يتلاءم مع احتياجاتهم، وطبيعة أرضهم، ومتطلّبات التّحايل على حصار الاحتلال وجرائمه، وهي بدأت بشكل بدائيّ ومحدود، لتخبئة الأسلحة والمقاومة بأعداد صغيرة، وتهريب قطع سلاح محدودة، وهي ظاهرة راحت تتطوّر مع الوقت وصار بداخلها ممرّات واسعة، وأسقف عالية نسبيًّا، وحجرات مخصّصة لأغراض مختلفة كقيادة العمليات والمراقبة وتخزين الأسلحة والمواد الغذائية والمياه ومضافات لراحة المقاتلين، والأهم أنّه صار لها في أحيان كثيرة، تفرّعات متعدّدة تقود باتجاهات مختلفة، بالإضافة إلى مواقع مخصّصة لإطلاق الصواريخ.
وإزاء ما يكاد يوصف بأنّه "معجزة"، من المعتقد أن هذه الشّبكة تضم 1300 نفق يبلغ طولها حوالي 500 كيلومتر فيما يصل عمق بعض الأنفاق إلى 70 مترًا تحت الأرض. ويقرّ الإسرائيليون بعجزهم أمام ما وصف في الغرب بأنها تتخطّى شبكة أنفاق قطار لندن، ويقول أحد مسؤوليهم الأمنيين أن كلمة "أنفاق" لا تصف ما يجري "فهي مدن تحت الأرض".
تظهر آثار التاريخ أن الآشوريين كانوا من السباقين في استخدام الأنفاق، كما استخدمها الرومان والفرس بهدف اقتحام القلاع والحصون والتسلّل إلى داخلها، وتطوّرت استخدامات الأنفاق وأساليبها من الحب الأهلية الأميركية ثمّ الحربين العالميتين الأولى والثانية والقتال مع اليابانيين، مرورًا بحرب فيتنام ضد الغزاة الأميركيين.
المقاومة في لبنان أيضًا استخدمتها في مواجهة مواقع الاحتلال في الجنوب، خصوصًا في منطقة إقليم التفاح.
لقد تبدّلت الأسلحة وأنماطها على مرّ القرون، لكن الخبراء يعتقدون أنّه طالما كانت هناك حروب، فإنّ الأنفاق ستظلّ جزءًا من أيّ معركة. ولك أن تتخيّل، كيف كانت ستبدو معاناة الفلسطيني لولاها الآن، والأهم ماذا سيكتب المؤرخون وخبراء الحروب غدًا عن إرادة الفلسطيني بالحياة!؟.

