مهدي عقيل -خاصّ الأفضل نيوز
مؤخراً، لم يعد ثمة غرابة في طرح موضوع انهيار الكيان العبري، لا سيما بعد عملية "طوفان الأقصى"، وثمة طريقان لانهيارها، أحدهما يأتي من الخارج، أو بشكلٍ أدق، عن طريق قوى المحور، وآخر داخلي بحت. سأناقش في هذا المقال الطريق الأول، وسأترك الطريق الثاني لمقال آخر.
بعد عقود من تراكم قوة وانجازات المقاومة ضد "إسرائيل"، سواء من لبنان المتمثلة بـ"حزب الله"، ومن فلسطين، المتمثلة بشكل أساسي بحركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي". وبعد أن تهشّمت قدرة الردع الإسرائيلية في حرب تموز 2006، ومن ثم، وبشكل أشمل وأوسع وأشد وطأة على الكيان المؤقت، في عملية "طوفان الأقصى" في 7 تشرين الأول/أكتوبر الماضي. أمست المقاومة في موقع تستطيع أن تدّعي بمكان ما، أنّه بإمكانها دحر العدو عن أرض فلسطين وتحريرها بالكامل.
تراجع الإمبراطورية الأميركية
بناء على هذا التحليل، يُطرح سؤال منطقي، طالما الوضع على هذا النحو، لماذا لم تقم المقاومة اليوم قبل الغد بهذه المهمة الاستراتيجية-المصيرية؟ خصوصاً أنّه كان الظرف مؤاتيًا بعد عملية الطوفان، فيما لو دخل حزب الله المعركة من الشمال بلا ضوابط وبلا أسقف وبلا شروط، حسب تعبير الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله. خصوصاً أن الداعمة والراعية لتلك المقاومات (إيران) لطالما هددت بتدمير تل أبيب أو مسح "إسرائيل" من الوجود!
ربما من الحري بنا للإجابة على هذا السؤال أن نستشهد بقول للمفكر اليهودي نعوم تشومسكي، "لا خوف على اليهود، فالمجتمع اليهودي الأصليّ في الولايات المتحدة وليس في إسرائيل، وما لم تتعرّض الولايات المتحدة لخطر، فكذلك لن يتعرّض اليهود". بمعنى آخر، طالما الولايات المتحدة دولة قوية ومُهيمنة على العالم، وليس هناك من ينافسها، فلا يمكن المسّ بإسرائيل بطريقة تهدد وجودها. وما شهدناه بعد عملية الطوفان خير دليل على ما نقول. إذ أتت حاملات الطائرات والمُدمرات إلى البحر المتوسط للدفاع عن "إسرائيل" من جهة، وردع قوى المقاومة من الدخول في حرب مفتوحة معها من جهة ثانية. جرى ذلك على مرأى ومسمع العالم أجمع دون أن يحرك أحد ساكناً، باستثناء الذين شاطروا أميركا في دعم الكيان العبري.
عليه، لا بدّ من تراجع الإمبراطورية الأميركية وانكفائها عن الشرق الأوسط، وفتح باب الهيمنة للتنين الصيني، الذي بات يطرقه بقوة مؤخراً، في الوقت الذي بدأ فيه الدب الروسي يستثمر انتصاره القريب على أوكرانيا. وبالتالي، تغيير خارطة النفوذ في العالم وفقاً لتوازنات جديدة. ساعتئذٍ، يمكن لمحور المقاومة أن يبادر إلى شنّ حرب كبرى على "إسرائيل" ويقتلعها من المنطقة. وهذا أحد السيناريوهات الثلاثة المحتملة لانهيار الكيان من الخارج.
نهاية وظيفة إسرائيل الاستراتيجية
أما السيناريو الثاني، نضيف على ما ذكره تشومسكي، بأنه يمكن لمحور المقاومة النيل من "إسرائيل" إذا لم تعد الأخيرة تمارس الوظيفة الاستراتيجية التي أُنشئت لأجلها، والتي طالما مكّنت الولايات المتحدة والدول الغربية من استغلال منطقة الشرق الأوسط كمصدر للمواد الأولية وسوق لمنتجاتها. بصرف النظر عمّا إذا تعرض يهود اميركا للخطر أم لا. مع الإشارة إلى أن عملية الطوفان أفقدت "إسرائيل" جزءًا من وظيفتها كعصا غليظة تُؤدب وتُلجم بها أميركا كل مناوئيها في المنطقة، وكحامية للدول الحليفة للغرب، حيث باتت "إسرائيل" أضعف من أن تحمي نفسها بنفسها.
فاضطرار حاملات الطائرات والمدمرات الغربية للمجيء إلى البحر المتوسط، واستمرار تراجع وتهشّم قوة الردع الإسرائيلية، ربما يدفعان مستقبلاً مراكز القرار والتقدير ومراكز العصف الفكري في واشنطن، إلى دراسة وتحليل جدوى بقاء الكيان في ظل خدماته المتراجعة تجاه الإمبراطورية، بعد أن كان بمقدوره الضرب والبطش واحتلال عواصم في الإقليم دون أن تقوى عليه الدول العربية مجتمعة. بل أكثر من ذلك، باتت فصائل المقاومة لا الدول، تشكل تهديدًا وجوديًّا له.
تأليب الرأي العام العالمي
والسيناريو الثالث، وهو الأقل احتمالاً، هو أن تعمل قوى المحور على تغيير الرأي العام العالمي، لا سيما الأميركي منه، وتأليبه على "إسرائيل" ودحض سرديتها التي تمارس فيها دور الضحية، وإبراز وضعها الحقيقي كدولة مغتصبة لأرض فلسطين ومرتكبة لأفظع الجرائم، لا سيما ما يجري في غزة منذ 116 يوماً، والتي من المُحتمل أن تصنّفها محكمة العدل الدولية في حكمها النهائي، بعد ثلاثة أو أربعة أشهر، كجهة ارتكبت إبادة جماعية بحق الفلسطينيين. ويصبح الغرب المزهو بديمقراطيته وبدفاعه عن حقوق الإنسان، بطريقة غير مباشرة، شريكًا فعليًّا بممارسة تلك الإبادة الجماعية، نتيجة دعمه ووقوفه الصارخ مع "إسرائيل".
وبالتالي، إذا ما كَبُرَ حجم الاعتراض على سياسة الغرب تجاه القضية الفلسطينية، وترجم الأميركيون والأوروبيون ذلك في صناديق الاقتراع، ربما يشكل ذلك يوماً ما ضغطاً معتبراً على السلطات السياسية في تلك البلدان، ويدفعها إلى تغيير سياساتها في المنطقة، أو تخفف من دعمها للكيان العبري، وقد يكون ذلك مقدمة لتعرية الأخير من الدعم الغربي اللامتناهي وبداية نهاية دولته المزعومة.

