مهدي عقيل - خاص الأفضل نيوز
لا يبدو أن انهيار إسرائيل من الخارج وشيك، بحيث أن السيناريوهات الثلاثة التي تحدثنا عنها بمقال أمس، تحتاج إلى وقت ليس بقليل. ويبقى لنا مناقشة احتمال انهيارها من الداخل. وهو أمر وارد مع انتفاء أو فقدان الكثير من بريق العناصر الأربعة الجاذبة (الأمن، الرفاه، الليبرالية والسردية التلمودية) لاستجلاب يهود العالم إلى فلسطين المحتلة أو تعزيز ثقة المستوطنين في البقاء حيث هم، دون أن يغادروا من حيث أتوا. وذلك بالتزامن مع الانقسامات الداخلية والنظام العنصري القائم والديموغرافيا التي تؤرق قيادات العدو.
تعثر العناصر الجاذبة
الأمن: فقد الإسرائيلي عنصر الأمن، لا سيما الإشكنازي (اليهودي الغربي) الذي وُعد بجنة أمنية على الأرض، وحاولت القيادة الإسرائيلية اختيار أماكن آمنة لهم في الوسط (غوش دان) بعيداً عن الأطراف (الشمال والجنوب) التي كانت تتعرض لهجمات المقاومة اللبنانية والفلسطينية على السواء. لكن اليوم أمست إسرائيل بكليتها غير آمنة وتحت مرمى ضربات المقاومة. وبالتالي، أمسى عنصر الأمن في خبر كان، وهو من أهم الأسس التي قام عليها الكيان عام 1948، لذلك، عندما يهتز الأمن الإسرائيلي يهتز معه الكيان برمته وتتصدع أركانه، ويصبح قابلًا للسقوط.
الرفاه: لا شك أن الرفاه هو أحد العناصر الجاذبة لقدوم اليهود إلى فلسطين المحتلة، خصوصاً السفارديم (يهود الشرق)، الذين غالباً ما يأتون من دول فقيرة ويحلمون بالرفاه في إسرائيل. هذا الأمر لم يعد متوفر، ولم يعد هناك إمكانية لتقديم القروض بلا فائدة والمنح والبيوت وغيرها من المغريات المادية لليهود القادمين إلى الكيان. الغرب الداعم لإسرائيل لم يعد بمقدوره تأمين الرفاه للإسرائيليين، في الوقت الذي يعجز عن تأمين ذلك لبنيه. فاقد الشيء لا يعطيه.
الليبرالية: قبل 7 أكتوبر، تعرّض "النظام الليبرالي" القائم في إسرائيل إلى أزمة حادة مع حفلة "الإصلاحات القضائية"، التي افتتحتها حكومة اليمين المتطرف، حكومة بنيامين نتنياهو وبتسئيل سيموريتش وإيتمار بن غفير. التي عملت على تقليص صلاحيات المحكمة العليا وتقويض عملها تجاه الحكومة والكنيست، بحيث أفقدت تلك الإصلاحات المحكمة العليا سلطة الفصل في القرارات والقوانين التي تتمتع بالمعقولية أو اللامعقولية. وهذا ما يؤثر سلباً على المستوطنين الذين قيل لهم: "أنتم آتون إلى واحة ديمقراطية في محيط من البلدان السلطوية".
كانت الأجواء آنذاك، مع اتساع رقعة المظاهرات، وتخلف الاحتياط عن الالتحاق بوحداتهم في الجيش الإسرائيلي، تنذر باندلاع حرب أهلية في مجتمع يطبق التمييز العنصري بين أبنائه من اليهود أنفسهم (الأشكناز، السفرديم والفلاشا)، وبين اليهود والعرب، سواء المسلمين أو المسيحيين أو الدروز، إذ تمارس إسرائيل أسوأ صنوف العنصرية والتمييز بحق فلسطينيي 48.
السردية التلمودية أو الصهيونية: السردية التلمودية لجهة أن اليهود شعب الله المختار، وفلسطين الوطن الموعود لليهود، وغيرها من معتقدات وخزعبلات ما أنزل الله بها من سلطان، باتت عرضة للخرق والتكذيب، بحيث هناك عدد من المؤرخين اليهود الجدد يدحضون هذه السردية ولا يؤمنون بها، لا سيما المؤرخ إيلان بابيه الذي اعتبر السردية التاريخية الصهيونية حول كيفية تحويل الأرض الفلسطينية إلى أراض لدولة إسرائيل قائمة على الأساطير التلمودية. وبلا شك، إن لهذه الطروحات أثر سلبي على عموم اليهود في العالم. وبالتالي، إقناع اليهودي بالهجرة إلى فلسطين بذريعة السردية الصهيونية باتت مهمة صعبة ومعقدة.
وبطبيعة الحال، هذا الواقع، يُنشّط الهجرة العكسية التي تشكل خطرًا وجوديًّا على الكيان، وربما نشهد في السنوات المقبلة هجرة عكسية مرتفعة مقابل هجرة محدودة إلى فلسطين. وهذا ما يهدد مستقبل إسرائيل.
الديموغرافيا
ومن الأسباب الأخرى التي تهدد مستقبل الكيان، يمكن حصرها بالديموغرافيا، سواء فيما خص الفلسطينيين مقارنة بالإسرائيليين، أو بدرجة أقل طبعاً، فيما خص طائفة الحريديم. فخطر الديموغرافيا يؤرق مراكز القرار والتقدير الإسرائيلية، فمن ناحية الفلسطينيين، عددهم اليوم بات يوزاي أو يفوق عدد الإسرائيليين، البالغ عددهم قرابة سبعة ملايين نسمة. وبخصوص الحريديم الذين قد يشكلون خطرًا على الكيان أيضاً، حيث أن معظمهم لا يعملون، ويحرّمون الخدمة في الجيش، وقد شبههم أحد كتبة الأعمدة في الصحف الإسرائيلية ذات مرة، بالقنبلة النووية التي سوف تحل على إسرائيل عام 2050 بعد أن يتجاوز عددهم نسبة ال 50% من يهود إسرائيل، نتيجة شغفهم وتشجيعهم على الإنجاب.

