علي دربج - خاصّ الأفضل نيوز
لطالما تفاخر الجيش الأمريكي في جميع حروبه وغزواته وتدخلاته العسكرية خصوصا في منطقة الشرق الأوسط، بامتلاك السماء. إذ كان التفوق الجوي الأميركي في الصراعات الأخيرة كاملا إلى درجة أنه لم يقتل أي جندي بري أميركي على يد طائرة معادية منذ الحرب الكورية، التي انتهت قبل أكثر من 70 عاما.
لكن هذه القاعدة تغيرت يوم الأحد الماضي، عندما قُتل ثلاثة جنود أمريكيين في غارة بطائرة بدون طيار على قاعدة أمريكية في الأردن بالقرب من الحدود السورية، أصيب خلالها أكثر من 40 جنديا في الغارة، بحسب البنتاغون. وفيما وأعلنت المقاومة الإسلامية في العراق، مسؤوليتها عن الهجوم، نفت طهران تورطها بعد اتهام واشنطن لطهران، بلسان نائب السكرتير الصحفي للبنتاغون، سابرينا سينغ، بالوقوف وراء الضربة حيث قالت للصحفيين يوم الإثنين الفائت "نعلم أن إيران تقف وراء ذلك.
ولماذا تختلف ضربة الأردن عن الهجمات السابقة ضد القوات الأمريكية؟
عمليًّا، يُعدّ هجوم الأحد، بمثابة أول ضربة موجهة ضد القوات الأمريكية في منطقة الشرق الأسوط، تسفر، عن سقوط قتلى نتيجة الصراع الإقليمي المتصاعد على خلفية الإبادة الجماعية التي تشهدها غزة. لذا، ووفقًا للمعلومات المتاحة علنًا، كشفت مصادر عسكرية أمريكية في البنتاغون أن القتلى الثلاثة هم أيضًا أول أفراد الخدمة الأمريكية الذين يقتلون على الإطلاق بطائرة بدون طيار معادية (كان قد قُتل جنديان أمريكيان بنيران صديقة في غارة بطائرة بدون طيار من طراز بريداتور في أفغانستان في عام 2011، في حين لقي مقاول أمريكي في سوريا، حتفه في غارة بطائرة بدون طيار في مارس/آذار 2023).
وبينما لم تحدد سينغ السلاح المستخدم على وجه التحديد، لكنها وصفته بأنه "نظام جوي بدون طيار للهجوم في اتجاه واحد"، مما يعني أنه مصمم للاصطدام بهدفه والانفجار. وهذا، يشير إلى أنها قد تكون مشابهة لما يسمى بـ "طائرات الكاميكازي بدون طيار" التي استخدمها الجيش الروسي بأعداد كبيرة في أوكرانيا.
المثير في الأمر، أن الطائرة بدون طيار، كانت قصفت بالقرب من أماكن نوم القوات الأمريكية، مما أدى إلى ارتفاع عدد الضحايا. علاوة على ذلك يشير تقرير في صحيفة وول ستريت جورنال إلى أن الطائرة بدون طيار التابعة للجماعات العراقية، ربما تكون قد أفلتت من أنظمة الدفاع الجوي لأنه تم الخلط بينها وبين طائرة أمريكية بدون طيار كان من المقرر أن تعود إلى القاعدة في نفس الوقت.
إشارة إلى أن هذا الهجوم ليس الأول من نوعه - فبعد عملية طوفان الأقصى، استهدفت الجماعات المدعومة من إيران القوات الأمريكية أكثر من 150 مرة بطائرات بدون طيار وصواريخ وقذائف، مما تسبب في عشرات الإصابات، معظمها إصابات دماغية.
وما هي تداعيات هذه الضربة على حروب الدرونز الامريكية؟
تُعدّ الضربة على الجيش الأمريكي بالأردن، أحد أكثر العلامات دراماتيكية حتى الآن، على التحول في الدور الذي تلعبه الطائرات بدون طيار في ساحات القتال حول العالم، وعلامة واضحة، على تأثيرها في توازن القوى العالمي.
فالولايات المتحدة، لم تعُد أكبر مصدر للطائرات العسكرية بدون طيار على مستوى العالم، بعدما حلت محلها الصين، التي استخدمت طائراتها الدرونز المسلحة، في كل من: ميانمار، وإثيوبيا. وبالمثل، تعتبر روسيا وإسرائيل وإيران وتركيا من المصدِّرين الرئيسيين أيضًا. إذ حظيت الطائرة التركية بدون طيار Bayraktar TB2 بشعبية كبيرة في الأيام الأولى من الحرب الأوكرانية لدرجة أنها ألهمت أغنية شعبية واسعة الانتشار.
ما تجدر معرفته، أن الطائرات بدون طيار الأكثر فعالية في حروب اليوم، ليست الأنظمة الأكثر تقدمًا مثل Predator وReaper. فهناك نماذج رخيصة وقابلة للاستبدال، مثل شاهد "الكاميكازي" بدون طيار الإيرانية الصنع، إضافة إلى الأنواع الاستهلاكية الجاهزة للاستخدام العسكري التي تحتوي على مروحيات رباعية.
وكيف تطور استخدام طائرات "الدرونز"؟
في الواقع، تغير دور الطائرات بدون طيار، فحتى وقت قريب، كان يُنظر إليها على أنها سلاح تستخدمه الدول ضد الإرهابيين خارج مناطق الحرب التقليدية. أما الآن، فقد جرى استعمالها في صراعات من قبل الجيوش التقليدية في ساحة المعركة، مثل الحروب الأهلية الأخيرة في ليبيا وإثيوبيا والحرب بين أرمينيا وأذربيجان. كما استعانت أوكرانيا بهذه الطائرات في مهام المراقبة لاكتشاف تحركات الجيش الروسي، ولتوجيه نيران المدفعية الذي كان فعالاً للغاية لدرجة أن القائد العسكري الأعلى في أوكرانيا يقول إنها جعلت المناورات البرية مستحيلة بشكل أساسي لكلا الجانبين وساهمت في الجمود الحالي للحرب.
وبعيدًا عن ساحات القتال، تظهر الطائرات بدون طيار الرخيصة والفتاكة في كل مكان، بدءًا من هجمات عصابات المخدرات المكسيكية، وصولا إلى محاولات اغتيال الرئيس في فنزويلا، كما بدأ المتمردون في ميانمار في إنتاجها باستخدام الطابعات ثلاثية الأبعاد.
من هنا، كان هذا التحول واضحا للغاية حتى أن كريس وودز، الصحفي الاستقصائي والمؤسس المشارك لموقع Airwars لمراقبة ضربات الطائرات بدون طيار، قال: "من الواضح أننا الآن في العصر الثاني للطائرات بدون طيار، أي عصر الانتشار".
ووفقا لدراسة أجرتها القوات الجوية الأمريكية، فإن أول استخدام ناجح مسجل لطائرة مقاتلة بدون طيار من قبل "جهة فاعلة غير حكومية" جاء في عام 2013، عندما نفذ حزب الله، ضربة استهدفت الجماعات الإرهابية في سوريا.
ومنذ ذلك الحين، أصبح استخدام هذه الجماعات للطائرات بدون طيار سمة مميزة للحرب في المنطقة. وفي الوقت نفسه، تعمل إيران بشكل مطرد على زيادة صادرات الطائرات بدون طيار إلى حلفائها في جميع أنحاء المنطقة.
وفي أعقاب الحرب على غزة، استخدم الحوثيون الطائرات بدون طيار ضد السفن الإسرائيلية والأمريكية في البحر الأحمر، أو تلك المتجهة إلى الكيان الغاصب .كما قامت حماس ببناء ترسانة كبيرة من الطائرات بدون طيار، التي لعبت دورا فعالا ومثيرا في تعطيل أنظمة المراقبة الإسرائيلية خلال هجمات 7 أكتوبر.
على المقلب الآخر، قال الجنرال فرانك ماكنزي ، قائد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط في مقابلة مع صحيفة فاينانشال تايمز عام 2022 ، إنه بسبب انتشار "طائرات كوستكو بدون طيار" الرخيصة في أيدي الجماعات المسلحة، لم نعد نتمتع نتميز بالتفوق الجوي طوال الوقت". وتوقع أن تؤدي حرب الطائرات بدون طيار إلى "لحظة عبوات ناسفة" جديدة للولايات المتحدة ، في إشارة إلى العبوات الناسفة التي قتلت أكثر من 2000 جندي في العراق وأفغانستان.
في المحصلة، تمثل الطائرات بدون طيار مشكلة صعبة بالنسبة الولايات المتحدة نظراً لحقيقة مفادها أن ميزتها بالنسبة للميليشيات غير التابعة للدولة تكمن في مدى تدني مستوى التكنولوجيا لديها. زد على ذلك، أن محور المقاومة أجمع، أصبح ماهرا في استخدام أسراب من الطائرات بدون طيار الرخيصة للتغلب على الدفاعات الجوية الإسرائيلية والأمريكية..
ولهذه الغاية اتخذ البنتاغون في الآونة الأخيرة، موقفاً يشبه موقف "إذا لم تتمكن من هزيمتهم، انضم إليهم"، معلناً عن برنامج يعرف باسم "Replicator" العام الماضي يهدف إلى تطوير أسراب من الطائرات الصغيرة بدون طيار "يمكن توزيعها" لاستخدامها في هجمات محتملة.

