يحيى الإمام - خاص الأفضل نيوز.
كثيرٌ من المثقفين المصريين والعرب كانوا يأخذون على القائد الملهم جمال عبد الناصر بأنه كان يبدّدُ طاقات مصر الاقتصادية في دعم حركات التحرّر في أفريقيا بشكل خاص وفي ما يسمى بدول العالم الثالث بشكل عام، ويسألون رغم المحدودية الفكرية التي يتّسمون بها، عن جدوى ذلك الدعم، وهم لا يرون أبعد من أنوفهم ولا يدركون بأن مواجهةَ قوى الاستعمار لا تقتصر على مكان محدّد أو زمان محدّد أو شكل محدّد، وها هي اليومَ جمهورية جنوب أفريقيا تردُّ الجميلَ لعبد الناصر، وها هم أبناء المناضل نيلسون مانديلا ينحازون للقضية الفلسطينية بكل جرأة وشجاعة، ويسجلون انتصاراً سياسياً في إدانة العدو الصهيوني وجرائمه الموصوفة، وإن كنا نأمل أن يكون القرار أكثر عدلاً وإنصافاً لأهلنا الصابرين الصامدين في غزة هاشم، من خلال وقف العدوان الفوري وإدخال المساعدات العاجلة وليس الاكتفاء بالإدانة والتنديد.
لقد صدر في السادس والعشرين من شهر كانون الثاني قرار محكمة العدل الدولية في لاهاي بشأن القضية التي تقدمت بها جمهورية جنوب أفريقيا حول جرائم الإبادة بحق أهلنا في فلسطين والتي يقوم بها الكيان الصهيوني المدعوم من رعاة البقر في الولايات المتحدة الأمريكية، والذين أمعنوا بدورهم في جرائمهم عبر التاريخ من القضاء على الهنود الحمر، سكان الأرض الأصليين، إلى ناغازاكي وهيروشيما في نهايات الحرب العالمية الثانية مروراً بفييتنام ووصولاً إلى العراق الشقيق وما تلا ذلك من أحداث مشينة فيما يسمى بالربيع العربي ظلماً وزوراً وبهتاناً.
ومهما يكن لدينا من المآخذ و الملاحظات حول قرار المحكمة ولا سيما فيما يتعلق بالإخفاق في وقف العدوان، فانه يجب الإقرار بأن مجرد موافقة المحكمة على القبول بالدعوى ومن ثم صدور قرارها بالإدانة، مقارنة بالضغوطات التي تعرضت لها، يعتبر انتصاراً للقضية الفلسطينية لم يكن متوقعاً أو محسوباً و سوف تكون له تداعيات وتاثيرات تراكمية لجهة زيادة الوعي الإنساني بسياسات الكيان الصهيوني الإجرامية وكشف ادعاءاته الكاذبة وإبراز عنصريته وعنصرية من يقف خلفه وفضح نفاق أمريكا ودول الغرب التي تنحاز لإسرائيل، بعد إظهار حقيقتهم الإجرامية الاستعمارية وخروجهم عن القانون الدولي والعدالة الدولية، ولعل ذلك يشكل الخطوةَ الأولى في مسافة الألف ميل في مسيرة التحرر الإنساني وعلى طريق تحرير الأرض والمقدسات.
وإذا كان أحرار العالم اليوم يشيدون بموقف جمهورية أفريقيا الجنوبية مع الشعب الفلسطيني، فعلى أحرار الأمة أن لا ينسوا أن تحرك جمهورية جنوب أفريقيا قد جاء على خلفية ما أرساه القائد الخالد جمال عبد الناصر في دعمه وتأييده لحركات التحرر في ما يسمى بدول العالم الثالث ومن بينها حركات التحرر الأفريقية، وبشكل خاص حركة تحرير جنوب افريقيا من نظام الفصل العنصري الذي كان يحكم جنوب افريقيا آنذاك.
ففى 30 ايار مايو 1961 أعلنت مصر قطع علاقاتها مع النظام العنصري فى جنوب أفريقيا وسحب بعثتها الدبلوماسية من بريتوريا، وقدمت الدعم والمساندة لحركة النضال فيها بقيادة المناضل الكبير نيلسون مانديلا، وقالت الخارجية المصرية فى بيان لها آنذاك : « إن سياسة التفرقة العنصرية التى تتبعها جنوب افريقيا قد تجاوزت حدَّها في إهدار القيم الإنسانية والحقوق المشروعة للشعب خلافاً للمواثيق الدولية»، واتهمت الخارجية المصريةُ جنوبَ أفريقيا بالاستهتار بشرعة حقوق الإنسان، وقالت إن اقتصار المشاركة بالانتخابات على السكان البيض ليشكل إهداراً لسيادة القانون، وإن مصر قررت عدم الاعتراف بالحكومة العنصرية فى جنوب أفريقيا وسحب بعثتها الدبلوماسية من بريتوريا.
وفي مذكرات المناضل الكبير نيلسون مانديلا، ( وهو أول رئيس لجمهورية جنوب إفريقيا بعد سقوط سياسة التمييز العنصري)، وبعد خروجه من السجن الذى قضى فيه سبعة وعشرين عاماً من حياته، قال : ( لقد كانت مصر نموذجاً مهما لنا في الإصلاح الزراعي، وفي التصنيع والتعليم وفي مواجهتنا للظلم والعدوان والعنصرية ).
وعندما زار مانديلا مصر في العام 1962 لم تُتح له فرصة مقابلة الرئيس جمال عبد الناصر، الذي كان مشغولاً حينها بمقابلة الرئيس تيتو، فظلت الحسرة في قلبه لأنه لم يشكره على ما قدّمَ من دعم ومساندة له ولأحرار بلاده، وقد صرح عن هذه المشاعر فيما بعد أثناء احتفال تكريمي له في جامعة القاهرة عام 1990، ( أي بعد عشرين عاماً من رحيل عبد الناصر)، فقال كلمته الشهيرة آنذاك : ( كان لدي موعد مع رجل عظيم رفعت رأسي من بعيد لكي يراني ذات مرة ، ثم حالت ظروف قاهرة بيني وبين لقائه، وحين جئت إلى مصر كان من سوء حظي أن جمال عبدالناصر لم يعد فيها.... وإنني اليوم سأزور فى مصر ثلاثة أماكن : الأهرامات والنيلَ العظيم وضريحَ عبد الناصر )....
إن ما قامت به جمهوريةُ جنوب أفريقيا في لاهاي كنا نتمنى أن تجرؤ دولة عربية أو إسلامية على القيام به، أو على الأقل أن تتوجهَ بالشكر لها وتعملَ على تعزيز العلاقات معها من أجل قضايانا المحقة أولاً وانطلاقاً من مصالحنا وليس من أجل تحقيق مصالحها،ولأن معركةَ التحرر من أطماع قوى الاستعمار طويلة ومضنية، فعلى من لم يعترف بعد أن يقرَّ بأننا لا زلنا نقطف من ثمار بستان عبد الناصر ونصرف من رصيده المتنامي، ولا حاضر ولا مستقبل لمن لا تاريخَ له.
تحية إجلالٍ وإكبارٍ للقائد الخالد جمال عبد الناصر الذي زرع فينا العزةَ والكرامة وزرع القيمَ والمبادئ في أفريقيا فنمت فروعها وآتت أكلَها ولو بعد حين، والتحية والتقدير والعرفان بالجميل لوفد المحامين الجهابذةالأساتذة من جمهورية أفريقيا الجنوبية الذين استُقبلوا منذ ايام في بلادهم استقبال الفاتحين المنتصرين وكانت أعلام فلسطين تظللهم وترفرف في مطار عاصمتهم، وقد كان من الأولى والأجدر أن نكرمَهم في عواصمنا العربية، وتحية لأحرار تكساس في الولايات المتحدة الأمريكية الذين ترجموا قرار المحكمة الدولية عملياً بالعصيان والتمرد والمطالبة بالانفصال رفضاً للظلم والعدوان الأمريكي على شعب فلسطين وكان ذلك من أول تداعيات قرار المحكمة الدولية في لاهاي.

