علي دربج - خاصّ الأفضل نيوز
بموازاة الصفقة المحتملة التي يتصاعد الحديث عن موافقة كل من "إسرائيل" و"حركة حماس" على بنودها وتفاصيلها، يحاول الرئيس الأمريكي جو بايدن، إجراء ترتيبات سياسية تواكب مرحلة ما بعد وقف الحرب بغزة، تبدأ بإحياء المسار التطبيعي بين تل أبيب والرياض، وصولا إلى قيام الدولة الفلسطينية، سعيًا منه لإطفاء النيران المشتعلة في منطقة الشرق الأوسط، والتي طالت قواته في العديد من الدول.
ولهذه الغاية، يسافر وزير خارجيته أنتوني بلينكن إلى المنطقة، الأسبوع المقبل، للدفع بمقترح "للإفراج عن محتجزين إسرائيليين في غزة مقابل تعليق للحرب الإسرائيلية على القطاع"، وفق ما أعلنت الخارجية الأميركية أمس الجمعة.
ومن المحتمل أن يتوقف بلينكن أولاً في المملكة العربية السعودية، حيث يأمل بحسب "دبلوماسيين أمريكيين" في تجديد التعهد من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بتطبيع العلاقات مع "إسرائيل" إذا – وفقط إذا – أنهت "إسرائيل" الصراع في غزة، والتزمت بإنشاء دولة فلسطينية في نهاية المطاف، تشمل غزة والضفة الغربية التي سيزورها في جولته الخامسة والتي تشمل أيضا قطر ومصر اللتين تقودان الوساطة.
كما سيتوجه بلينكن إلى "إسرائيل"، حيث سيلتقي برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي يريد بشدة التوصل إلى اتفاق سلام مع الأمير محمد بن سلمان، لكن في الوقت نفسه، يرفض نتنياهو وائتلافه الفاشي، الشروط السعودية المتمثلة في إنهاء سريع للقتال في غزة، و تمهيد الطريق لقيام الدولة الفلسطينية.
وما الذي يخطط له بايدن لتطويع نتنياهو؟
في الواقع يعتزم بايدن حشر نتنياهو ودفعه إلى الموافقة على المقترحات الأمريكية من خلال اللعبة التالية: بداية يريد الرئيس الأمريكي أن يقدم لنتنياهو عرضًا لا يمكن لائتلافه قبوله سياسيًّا – وفي الوقت ذاته قد لا يقدر على مقاومته. فهو أي (نتنياهو) إذا تبنى الاقتراح السعودي، فسوف يتفكك ائتلافه، وسيحتاج إلى العثور على شركاء جدد. وإذا رفض، فقد يتم إسقاط حكومته من قبل المنافسين الذين يتبنون الصيغة الأمريكية لإنهاء الحرب.
وتبعا لذلك يقدم مارتن إنديك، الذي عمل سفيراً للولايات المتحدة لدى "إسرائيل" مرتين، ويعدّ مراقب الولايات المتحدة الأكثر خبرة بالصراع الإسرائيلي العربي، استعارة ملونة خاصة به لوصف المناورة الدبلوماسية الأمريكية قائلا "يريد بايدن أن يجعل بيبي يبتلع الضفدع (ويبرم الصفقة)، أو يخنق الضفدع (ويفسح المجال أمام حكومة أخرى). وفي كلتا الحالتين، تأمل الولايات المتحدة أن يتم كسر المأزق.
وماذا عن التوقيت لانطلاق مسار الخطة الأمريكية؟
بالنسبة للإدارة الأمريكية، يلعب التوقيت دورا بالغ الأهمية. ولهذا أبلغت الولايات المتحدة "إسرائيل" أن اتفاق التطبيع السعودي يجب أن يبدأ خلال الشهرين المقبلين. واللافت أن ذلك يعود جزئيًّا ـــ الكلام هنا لصحيفة واشنطن بوست ـــ إلى أن محمد بن سلمان يطالب، كجزء من حزمة التطبيع، بمعاهدة توفر ضمانات شبيهة بضمانات الناتو للأمن السعودي. ونظرًا لأنه عام انتخابي في الولايات المتحدة، فمن المرجح أن تحصل مثل هذه الصفقة على تصديق مجلس الشيوخ الأمريكي، بحلول شهر يونيو/ حزيران، قبل أن يتم دفنها في سياسات الحملة الانتخابية.
لكن مهلا، فنجاح هذه الدبلوماسية المعقدة مرهون بانتهاء القتال في غزة، ولهذا يعمل مدير وكالة المخابرات المركزية ويليام بيرنز ومساعد البيت الأبيض بريت ماكغورك، بتوجيه من مستشار الأمن القومي جيك سوليفان، مع مسؤولين إسرائيليين ووسطاء قطريين ومصريين لصياغة صفقة إطلاق سراح الرهائن.
ووفقاً لمصادر أمريكية وإسرائيلية وعربية، باتت صفقة الأسرى هذه قريبة بشكل مثير، ومع ذلك، قد يستغرق الأمر أسابيع للانتهاء منها. وبالتالي بمجرد أن تصمت أصوات المدافع، يصبح من الممكن وقف التصعيد على نطاق واسع: حينها وعلى ذمة إدارة بايدن قد يتحرك السعوديون نحو التطبيع، وقد يكون من الممكن التوصل إلى اتفاق حدود بين "إسرائيل" ولبنان، ويمكن أن يبدأ التقدم نحو إقامة دولة فلسطينية في نهاية المطاف.
وتعقيبا على ذلك، قال المسؤولون الأمريكيون المشاركون في المفاوضات، لصحيفة واشنطن بوست "إن الطريقة الوحيدة لتهدئة غزة هي صفقة الرهائن"، مشدداً على أن هذه هي المفتاح لعكس دائرة العنف التي دفعت الشرق الأوسط إلى حافة حرب شاملة. أما السبب وراء تفاؤله هو أن الإسرائيليين يعتبرون إطلاق سراح الرهائن أولوية قصوى بعد صدمة الهجوم الإرهابي الذي شنته حماس".
ما هي فرص نجاح لعبة بايدن؟
في الواقع، يرى العديد من المراقبين، أنه وعند النظر في مسيرة نتنياهو، فإن حظوظ نجاح لعبة الرئيس الأمريكي، تبدو صفرا، نظراً لرفضه العلني المتكرر للدولة الفلسطينية. لكن الدبلوماسيين الغربيين الذي يعرفون جيدا نتنياهو، يشيرون إلى أن الأخير، يدرك أنه يواجه خياراً جديًّا، وأنه سوف يزن العوامل السياسية بعناية. ويضيف هؤلاء الدبلوماسيون "لنكن صريحين، فإن التحول إلى صانع سلام مع السعوديين قد يكون هو السبيل الوحيد لنتنياهو لتجنب العار الدائم بسبب الهجوم الإرهابي الذي نفذته حماس في 7 أكتوبر.
زد على ذلك، أن "إسرائيل" لا تملك خططاً متماسكة "لليوم التالي" لانتهاء الحرب. فخطتها لإدارة غزة - التي تشمل العشائر والتجار وسماسرة السلطة المحليين - تظهر بنظر المراقبين وكأنها صيغة لإنشاء جيب فوضوي وغير خاضع للحكم على حدود "إسرائيل".
وبناء على ذلك يأمل المسؤولون الأمريكيون أن تعترف "إسرائيل" في نهاية المطاف بأن الخطة السليمة الوحيدة هي مهمة تدعمها الولايات المتحدة لتدريب قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية "المعاد تنشيطها" - والتي بدأ المسؤولون في وصفها بـ "الجيش الوطني الرواندي". ومن الممكن أن تكون تلك القوة جاهزة خلال ثمانية أشهر إلى سنة، استنادا لقيادات أمريكية.
علاوة على ذلك، تأخذ الخطة الأمريكية بعين الاعتبار، مشكلة وقف عنف المستوطنين ونقل ما يصل إلى 200 ألف إسرائيلي من الدولة الفلسطينية المستقبلية. وفي هذا الإطار، يذكّر المسؤولون الامريكيون بـ"الخطوة التي اتخذ بايدن الخميس الماضي من خلال فرض عقوبات على أربعة مستوطنين إسرائيليين في الضفة الغربية ارتكبوا أعمال عنف ضد الفلسطينيين"، ويعتبرون أن هذه مجرد بداية، لكنها تعزز مصداقية الولايات المتحدة لدى الفلسطينيين كوسيط للسلام.
في المحصلة، يلخص دبلوماسي أمريكي رؤية إدارة بايدن للمنطقة بالقول "إن لحظة الحقيقة لم تحن بعد. لكنها قادمة. فما يتصوره الدبلوماسيون الأمريكيون هو هيكل غير عملي مع شركاء غير مستقرين، ورهانات محفوفة بالمخاطر وعزيمة غير مختبرة - مع رئيس أمريكي يتمتع برؤية استراتيجية ولكن ضعيف سياسيًّا. ويضيف "هناك الكثير من الأخطاء التي يمكن أن تسوء، ولكن بالنظر إلى البدائل القاتمة، فإن الأمر يستحق المحاولة.

