د. علي دربج - خاصّ الأفضل نيوز
وكأن التاريخ يعيد نفسه. ولكن هذه المرة مسرح أحداثه غزة. أما أبطاله فهم المحافظون الجدد الذين ارتبط اسمهم بأنهار الدماء التي سالت في كل من أفغانستان والعراق وغير منطقة من العالم.
أما حاليا، فيسعون إلى تكرار تجربة نشر الفتن والموت والدمار في القطاع، هذه البقعة الجغرافية، التي تحولت إلى أرض محروقة لا ترى فيها سوى جثث الأطفال والنساء المسحوقة بجنازير الدبابات الإسرائيلية.
فبعدما ظن العالم أن تلك المجموعة من الأشرار الذين شاركوا بقتل ملايين المدنيين على امتداد الكرة الأرضية، قد اندثروا واختفوا نهائيا، في أعقاب اخفاق مشاريعهم الجهنمية في منطقة الشرق الأوسط، أطلّ هؤلاء برؤوسهم من جديد، عندما قدمّ العديد من المهندسين الرئيسيين للغزو والاحتلال الأمريكي للعراق قبل 21 عامًا، خطة لإعادة بناء و"إزالة التطرف" من السكان الباقين على قيد الحياة في غزة، مع ضمان احتفاظ إسرائيل "بحرية العمل" لمواصلة العمليات ضد حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي".
وما هي تفاصيل هذه الخطة؟
في منتصف الأسبوع الماضي، نشر المعهد اليهودي المتشدد لشؤون الأمن القومي التابع للمحافظين الجدد، أو JINSA، وائتلاف فاندنبرغ، خطة، تدعو إلى إنشاء كيان خاص، باسم "الصندوق الدولي لإغاثة غزة وإعادة الإعمار" بقيادة "مجموعة من الدول العربية تضم كلًّا من: المملكة العربية السعودية، مصر، والإمارات العربية المتحدة" و"بدعم من الولايات المتحدة ودول أخرى".
علاوة على ذلك، تلحظ خطة "فريق عمل مستقبل غزة" مسألة المشاركة الفلسطينية، وهي تتضمن إنشاء مجلس استشاري "يتكون في المقام الأول من سكان غزة (من خارج حماس) والضفة الغربية والشتات". كما تشدد على ضرورة التشاور مع السلطة الفلسطينية، ومباركتها علناً لإنشاء الصندوق، مع تطبيق شرط خضوعها لعملية "تجديد".
لكن مهلا، لم تتوقف الخطة عند هذا الحدّ، فهي لم تكتف بمنح إسرائيل ترخيصًا للتدخل ضد حماس والجهاد داخل غزة، بل تدعو ايضا إلى توفير الأمن من قبل قادة الصندوق و"القوات القادرة من الدول غير الإقليمية التي لها علاقات وثيقة مع إسرائيل"، فضلاً عن "سكان غزة الذين تم فحصهم". كما تنص كذلك، على تمكين الصندوق من "توظيف مقاولين أمنيين من القطاع الخاص يتمتعون بسمعة طيبة بين الجيوش الغربية" "بالتنسيق الوثيق مع قوات الأمن الإسرائيلية".
ووفقا للخطة، ينبغي أن يحكم أنشطتها مجلس دولي يتكون من 3 إلى 7 ممثلين من الدول الرئيسية الداعمة للصندوق، بما في ذلك المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وغيرهما. أما اللافت فهو استبعاد قطر التي تربطها علاقات مع جميع أطراف الحرب بغزة.
ليس هذا فحسب، تركزّ الخطة على برنامج طويل الأجل للقضاء على ما يسمى التطرف في وسائل الإعلام والمدارس والمساجد. وتشمل بنود الخطة، أن يلعب الشتات الغزاوي دوراً نشطاً في تطويرها وتنفيذها، جنباً إلى جنب مع الأعضاء العرب في المؤسسة الذين لديهم خبرة عملية في جهود مكافحة التطرف الناجحة في مجتمعاتهم.
وتشير الخطة، إلى أن مثل هذه الجهود في غزة يمكن أن "تكون بمثابة نموذج لتشجيع برنامج مماثل هناك والذي سيكون ضروريًا لحل الدولتين.
وفي تبنٍّ واضح لرؤية الحكومة الإسرائيلية الفاشية، يطرح فريق العمل، التنسيق مع جهود الدول الأخرى ومع جهود المنظمات غير الحكومية والمنظمات الدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة، غير أنه بالمقابل يلقي بالمسؤولية على "وكالة الأونروا" لغوث اللاجئين الفلسطينيين، ويتهمها بأنها تعمل على إدامة وتعميق الأزمة الفلسطينية".
وتبعا لذلك، يشدد أعضاء فريق العمل على وجوب تطوير وتنفيذ خطط لاستبدال الأونروا، بمؤسسات فلسطينية محلية أو منظمات دولية أخرى ملتزمة بالسلام.
من هم أبرز وجوه فريق العمل من المحافظين الجدد؟
في الواقع يتألف فرقة العمل الذي أصدر التقرير من تسعة أعضاء، البعض منهم لعبوا أدواراً رئيسية كصانعي سياسات في الشرق الأوسط في عهد الرئيس السابق جورج دبليو بوش، وفي الفترة التي سبقت الغزو الكارثي للعراق في عام 2003، وبعدها.
في البداية، يأتي على رأس هذه المجموعة جون هانا، وهو كان شغل منصب نائب مستشار الأمن القومي لنائب الرئيس ديك تشيني من عام 2001 إلى عام 2005 ، ثم مستشاراً للأمن القومي لتشيني (2005-2009) خلفاً للويس "سكوتر" ليبي الذي استقال من منصبه بعد كونه اتُّهم بالحنث باليمين. لكنه حصل لاحقًا على عفو كامل من الرئيس السابق دونالد ترامب.
أما أبرز الأعضاء فهو مؤسس ورئيس تحالف فاندنبرغ المتشدد، إليوت أبرامز، منح بدوره منصب المدير الأول لشؤون الشرق الأدنى وشمال أفريقيا في مجلس الأمن القومي في عهد بوش من عام 2002 إلى عام 2009، ومؤخراً كمدير عام لشؤون الشرق الأدنى وشمال أفريقيا. وعمل أيضا كمبعوث خاص لفنزويلا وإيران في عهد ترامب.
ومن عجيب المفارقات أن أبرامز، الذي شغل أيضاً منصب المدير الأول لشؤون الديمقراطية في مجلس الأمن القومي في عهد بوش، كان لعب دوراً رئيسيًّا في دعم محاولة الانقلاب المسلح التي قامت بها حركة فتح، المنافس الرئيسي لحماس، في عام 2007 بعد اكتساح حماس للانتخابات الفلسطينية في عام 2006.
ومن الأسماء المعروفة كذلك، السفير. إريك إيدلمان (متقاعد)، الذي تم تعيينه بمنصب النائب الرئيسي لمستشار الأمن القومي لتشيني من عام 2001 إلى عام 2003، ثم عمل وكيل بوزارة الدفاع الأمريكية لشؤون السياسة، وهو المنصب الثالث في البنتاغون، في عهد وزير الدفاع الأمريكي الأسبق دونالد رامسفيلد وخليفته روبرت جيتس، من عام 2005 إلى عام 2009، بينما كانت القوات الأمريكية تتلقى ضربات من المقاومة العراقية.
بالإضافة إلى تعاونهم خلال إدارة بوش، ارتبط هؤلاء الرجال منذ فترة طويلة بمجموعات المحافظين الجدد المؤيدة لإسرائيل بشدة، حيث عملوا في مجالس إدارة أو في مناصب استشارية لمنظمات ومراكز بحث مثل "معهد هدسون"، و"مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات"، و"مركز السياسة الأمنية المتشدد"، فضلاً عن تحالف فاندنبرج وJINSA. وقد روجت مثل هذه المجموعات لسياسات كانت تتماشى بشكل عام مع سياسات حزب الليكود بقيادة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وما هي النتائج التي تهدف الخطة إلى تحقيقها؟
في الحقيقة، تأمل زمرة "الموت" هذه من المحافظين الجدد، أن تحقق خطتهم تلك عددا من النتائج يمكن تلخيصها بالاتي:
اولا: استعادة احتياجات الردع والأمن لإسرائيل، سواء لشعبها أو مكانتها كحليف إقليمي قوي وعنصر أساسي في مقاومة طموحات إيران.
ثانيا: تفكيك حماس كقوة عسكرية وحاكمة، ومنع إعادة تشكيلها من خلال استمرار حرية إسرائيل في العمل ضدها والجهاد الإسلامي الفلسطيني، وذلك عبر نزع سلاحهم واستئصال "التطرف" وتحسين الظروف في غزة، بحيث لا يمكن للهجمات الكبرى مثل 7 أكتوبر أن تحدث مرة أخرى...
ثالثا: تصرّ هذه المجموعة الآتية من الغرف السوداء، على متابعة كل هذه الجهود أعلاه لمواجهة " إيران، و تقييد التهديد الذي يشكله حزب الله واستئناف التقدم نحو تطبيع إسرائيل والمملكة العربية السعودية..
في المحصلة، يبدو أن مهندسي الخطة الخيالية، لم يتعلموا من دروس فشلهم في أفغانستان والعراق، متناسين أن الزمن زمن المقاومة، وأن غزة لن تخضع إلا لإرادة أهلها بالرغم من الإبادة الجارية بحق أهلها.

