مهدي عقيل - خاصّ الأفضل نيوز
قامت "دولة إسرائيل" عام 1948 على جهود الجناح الليبرالي، حيث كانت السيطرة على الحكم فيها معقودة لحزب العمل حتى بداية سبعينيات القرن الماضي، لكن رغبة أول رئيس وزراء لإسرائيل، ديفيد بن غوريون، قضت باستجلاب المُتدينين اليهود إلى فلسطين المحتلة بناء لعقد اجتماعي متفق عليه مسبقاً، ما هو هذا العقد؟ وما المصير الذي ينتظره إذا ما استمرت المطالبة بنسفه؟ حيث بات يهدد مستقبل الكيان برمته!
في السنوات الأولى من عمر الكيان، بدأ يستشعر بن غوريون بأن العامل الديمغرافي سوف يشكل التهديد الوجودي الأول للدولة الوليدة، فأولى خطواته كانت تدفع نحو تنشيط الهجرة إلى فلسطين، وقد اعترضته مشكلة عدم وجود رغبة لدى اليهود المُتدينين في المجيء إلى "أرض الميعاد" إلا بشروط، والقاضية بإعفاء أبناء الأُسر المُتدينة من العمل في الجيش والأجهزة الأمنية وغيرها من الوظائف بذريعة التفرغ للأمور الدينية، أو من باب أن هذه الوظائف مُحرّمة دينيًّا، وتأمين كل ما يلزم من مال وخدمات لوجستية وإدارية وامتيازات للمؤسسات الدينية.
والذي زاد من رغبة بن غوريون لاستجلاب هذا الصنف من اليهود، هو أن المُتدينين كثيرو الولادة أو الإنجاب، ويتفوقون على الفلسطينيين في هذا المضمار، فيما اليهود الليبراليين متأثرون بالبيئات التي أتوا منها، لا سيما الغربية، حيث يحدّون كثيراً من الإنجاب، إذ يكتفون بولد أو اثنين أو ثلاثة على الأكثر.
وفي بداية الألفية الثالثة، بدأت تظهر حمّلات احتجاج على هؤلاء المتدينين، والمعروفين اليوم بطائفة الحريديم، ووصلت إلى أوجها مع حكومة بنيامين نتنياهو الحالية، والتي ضمّت إلى صفوفها اليمين المتطرف ومن ضمنهم ممثلون عن الحريديم، وهم أهم شركاء نتنياهو في الائتلاف. مع 18 مقعداً في الكنيست المكون من 120 مقعداً، وهم الآن ثاني أكبر كتلة سياسية بعد حزب الليكود اليميني، بزعامة نتنياهو، مما يمنحه أغلبية ضئيلة من 64 مقعداً.
والجدير ذكره، لم يحصل هذا الائتلاف الحكومي إلا بعد تخصيص أرقام مالية معتبرة من الموازنة العامة للمؤسسات الدينية ومعاشات لأبناء هذه الطائفة العاطلين عن العمل. لذلك نال هذا الموضوع حيزاً واسعاً لدى الرأي العام الإسرائيلي قبل عملية طوفان الأقصى في 7تشرين الأول/أكتوبر الماضي.
والمشكلة مع الحريديم لا تتوقف على أنهم يعيشون على كاهل الحكومة، إنما هناك ما هو أخطر من ذلك، حيث كانت الأحزاب السياسية الحريدية مع قوى أخرى وراء الجهود الرامية إلى الحد من سلطات المحكمة العليا في إسرائيل لصالح الحكومة العام الماضي، حتى تتفلت الأخيرة من تحديد المحكمة القرارات أو المراسيم التي تصدر عن الحكومة عمّا إذا كانت تتوافق مع مبدأ "المعقولية أو غير المعقولية".
مع العلم، أن القوى السياسية الليبرالية تعتبر أن تقليص دور المحكمة ما هو إلا خطوة في طريق إحالة إسرائيل من "دولة ديمقراطية" إلى "دولة يهودية". هذا فضلاً على أن الحريديم يهدفون من تقليص دور المحكمة ليتسنى للكنيست إصدار تشريعات من شأنها التمييز ضد المرأة، منها إقرار فصل بين الجنسين في الأماكن العامة.
ولم تغب عن بال الليبراليين حادثة مدينة أشدود الإسرائيلية العام الماضي، عندما وبّخ سائق حافلة على خط يستخدمه اليهود الأرثوذكس المتشددون فتاة تبلغ من العمر 15 عاماً لارتدائها قميصاً دون أكمام وسروالاً قصيراً.
لم يعد يقتصر دور الحريديم على زيادة عدد اليهود في الكيان وحسب، حيث بات يبلغ عددهم في إسرائيل 1.3 مليون نسمة، أي أكثر من 13% من المستوطنين حالياً، وهم الشريحة الأسرع نمواً كما أنهم في طريقهم ليشكلوا ثلث جميع الإسرائيليين، بحلول عام 2065، وفقا لمكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي. وقد كتب أحد أصحاب الأعمدة في الصحافة العبرية بـ"أن الحريديم سوف يشكلون القنبلة النووية التي تهدد الكيان اعتباراً من عام 2050".
يدعي الإسرائيليون بأن "إسرائيل دولة تعددية، تعيش فيها مجموعات مختلفة من علمانيين ومتدينين ومواطنين عرب من ديانات وثقافات مختلفة ومتعددة هي الأخرى.. وبالتالي، محاولة الأحزاب الدينية فرض توجه معين أو رؤية دون غيرها على المجتمع تمثل تهديداً صريحاً للوحدة الوطنية، للسلم الاجتماعي وللنظام العام في إسرائيل".
عليه، ووفقاً لرؤية الإسرائيليين أنفسهم، العقد الاجتماعي والنظام السياسي في الكيان العبري على المحك، وستطفو هذه الأزمة من جديد على السطح بعد الانتهاء من معركة طوفان الأقصى، وهذا ما يدل على أن الكيان مقبل على أخطار محدقة، وربما نكون أمام بداية مسار انهياره.

