محمد علوش - خاص الأفضل نيوز
كما كان متوقعاً، لم يخرج المبعوث الأميركي آموس هوكستين عن المألوف عندما لم يتمكن من ضرب كل التهديدات الإسرائيلية التي تقول بفصل جبهة لبنان عن جبهة غزة، وهو الأمر الذي تحدثنا عنه مراراً، حيث كان واضحاً أن الإسرائيليين يريدون فصل الجبهات لضرب مبدأ وحدة الساحات وعدم التسليم بسيطرة حزب الله على قرار المعركة وكيفية خوضها، وهو ما يدخل ضمن حرب المعادلات التي ركزت عليها إسرائيل بشكل كبير خلال هذه الحرب.
لم يستطع هوكستين القول أن الهدنة في غزة ستنسحب على لبنان بحال حصلت، فاكتفى بالإشارة إلى أنها قد لا تنسحب تلقائياً على الجبهة الجنوبية، وذلك في سياق محدد يلتقي مع مضمون الخطاب الذي ألقاه الرجل من عين التينة والذي حمل تهديدات مبطنة جديدة من خلال الحديث عن حرب واسعة وغير قابلة للاحتواء وغيرها من التعابير المستخدمة في كلمة هوكستين.
لمقاربة الزيارة الثالثة للمبعوث الأميركيّ يجب قراءتها في الشكل والمضمون، فمن حيث الشكل، كانت الزيارة لافتة إذ جمعت الرجل برئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط، وبوفد نيابي معارض، وهنا لقاء الوفد له علاقة بالفهم الأميركي للواقع الطائفي في لبنان تحديداً ومحاولة حفظ ماء وجه بعض القوى، إذ أن حصر مهمة التفاوض بيد الرئيسين بري وميقاتي، ولقاء جنبلاط، أثار حفيظة القوى المسيحية المعارضة في البلد، والتي شعرت أن الطائفة بأكملها مهمشة في ملف أساسي كهذا بظل غياب رئيس الجمهورية.
غاب عن جدول أعمال هوكستين اللقاء مع وزير الخارجية عبد الله بو حبيب، وكانت الزيارة سريعة بلقاءات مكثفة داخل وخارج المطار، أما في المضمون وهنا الأساس، لم يحمل الرجل ورقة مكتوبة لاقتراح الحل، وأثبت أنه لا يزال ضمن المربع نفسه الباحث عن طريقة أو آلية لوقف التصعيد على الجبهة الجنوبية.
تكشف مصادر سياسية متابعة لزيارة المبعوث الأميركي أن اقتراحه للحل لا يزال هو نفسه وهو يتطلب بداية الحل في غزة، ولكنها تتوقف عند أمر أساسي وهو أمر قد تغير بين زيارته السابقة وزيارته الحالية، فخلال الزيارة السابقة كان يسعى للحصول على ضمانات من حزب الله بأنه سيوقف عملياته في الجنوب بحال تم الاتفاق على هدنة في غزة، وبعد تلك الزيارة بأيام أعلن الحزب صراحة ومن خلال تسريبات ورسائل أن الجبهة الجنوبية فُتحت لأجل دعم غزة، وبالتالي أي هدنة توافق عليها حماس ستسري على الحزب جنوباً.
اليوم خلال هذه الزيارة كان الأمر معاكساً إذ سأل اللبنانيون هوكستين عما إذا كانت إسرائيل تنوي فصل الجبهات واستكمال العمليات العسكرية في لبنان بحال تم الوصول إلى هدنة في غزة، لم يكن جواب المبعوث الأميركيّ واضحاً وفي التصريحات الرسمية كرر الكلام الإسرائيليّ نفسه وكأنه لا يريد ضرب تلك التهديدات والرسائل.
في لبنان يعتقدون أن الهدنة هناك ستنسحب على الجنوب أيضاً، ولكنهم قلقون مما بعد الهدنة إن حصلت، وأكثر مما بعد الحرب على غزة، فبحسب طروحات هوكستين لا تزال الأولوية للأمن الإسرائيليّ، وما قاله السيد نصر الله سابقاً عن أن الدولة عليها رفع مستوى شروطها لأن المقاومة يمكنها فرض ذلك، لا يزال هو نفسه اليوم، إذ أن الطروحات لا تلبي مطالب لبنان، وما حمله هوكستين لا يتضمن أي التزامات إسرائيلية، وبالتالي ما كان مرفوضاً لبنانياً في السابق لا يزال مرفوضاً اليوم، والمطلوب مقاربة أميركية واقعية فالحل بالنسبة للبنان يكون بالتطبيق المتوازن للقرار 1701، من الجانب اللبناني ومن الجانب الآخر.
الهدف الأساسي لزيارة المبعوث الأميركيّ هي محاولة ربط الجبهات في الهدنة بعدما كان سعي الأميركيّ سابقاً لفك الجبهات، والتمهيد بالمسودات لتفاوض مقبل، ولكن المسودات هذه بحسب المصادر لا تزال منحازة اغلى إسرائيل وهنا أصل المشكلة.

