مهدي عقيل - خاصّ الأفضل نيوز
يظن البعض أنه ليس بمقدور الولايات المتحدة فرض وقف إطلاق النار على إسرائيل، على اعتبار أن اللوبي الصهيوني يسيطر على مراكز القرار في واشنطن، وهذا ما يطرح سؤالًا كبيرًا، هل الدولة الأعظم في العالم تدير إسرائيل أم العكس؟
لا شك أن للوبي الصهيوني دور رئيس في التأثير على السياسة الأميركية، لا سيما في كل ما يتصل بالكيان العبري، ولكن أميركا التي تؤمِّن له الحماية السياسية والعسكرية، إذا ما أرادت فرض شيء عليه، خصوصاً إذا كان الأمر يمس بالمصالح الأميركية الاستراتيجية، لا تتوانى عن ذلك، والتاريخ يشهد.
لكن الحرب القائمة على غزة لا تختلف فيها الأهداف الأميركية عن الأهداف الإسرائيلية، إلا أن الخلاف في الوسيلة للوصول إليها. بحيث أن أميركا تنطلق في تحقيق أهدافها من قراءة شاملة للمواقف الدولية، وانطلاقاً من موقعها كدولة عظمى مهيمنة على العالم. فيما إسرائيل الغارقة في وحل غزة، تنطلق من مصالحها الصهيونية-التلمودية التي تهشّمت في 7 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وغير آبهة بسمعتها وبكل ما يدور من حولها.
وإذا ما عدنا إلى التاريخ، تظهر أمامنا ثلاث محطّات على الأقل، تفرض فيها واشنطن على تل أبيب وقف لإطلاق النار:
1- عام 1956، في حرب السويس، أجبرت الولايات المتحدة كل من إسرائيل وفرنسا وبريطانيا على الانسحاب من قناة السويس وسيناء. حيث كانت دول العدوان منتصرة عسكرياً فيما مصر انتصرت آنذاك سياسياً، وانتهت الحرب بإصرار القاهرة على تأميم قناة السويس.
2- تدخلت الولايات المتحدة أيضاً في حرب 1973، وأقامت جسر جوي أنقذ إسرائيل من كارثة عسكرية كادت أن تكون مُحقّقة، وقبل دقيقة من وصول الجيش العربي السوري من بحيرة طبريا، وقبل القضاء على اللواء 188 عن آخره. وبعدها قادت معركة وقف إطلاق النار، ومن ثمّ فرضت على الطرفين مفاوضات أفضت إلى اتفاقية السلام الشهيرة، اتفاقية "كامب ديفيد".
3- عام 1982، طلب الرئيس الأميركي رونالد ريغان من رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن بوجوب إيقاف قصف بيروت، وقبل أن يمضي ثلث ساعة من الوقت اتصل الأخير وأبلغ الرئيس الأميركي بأنه أوعز إلى وزير دفاعه آرييل شارون بوقف قصف بيروت يوم "الخميس الأسود" في 12 آب/أغسطس من ذلك العام. وقد تفاجأ ريغان وقال لأحد مستشاريه: "لم أكن أعلم أنني أمتلك هذا النوع من القوة".
ولا يبدو في الأفق محطّة رابعة مشابهة للمحطّات الثلاث المذكورة يكون بطلها هذه المرة الرئيس الأميركي الحالي جو بايدن، إما لأن المصالح الأميركية الاستراتيجية ما زالت لا تتعارض مع حفلة الإبادة الجامعية المُقامة في غزة، وإما هناك ضعف في إدارة بايدن لدرجة أنها لا تقوى على إيقاف حكومة بنيامين نتنياهو وإيتمار بن غفير بتسلئيل سموتريتش، أكثر الحكومات الإسرائيلية تطرفاً قومياً ودينياً، عند حدّها، بعد أن تخطت في مجازرها كل ما ارتكبته الحكومات الفاشية والنازية.
علماً أن هناك أكثر من خيار للجم الجنون الإسرائيلي، يبدأ من مجلس الأمن الذي أمعنت واشنطن في استخدام "الفيتو" فيه كُرمى لتل أبيب، ويمرُّ بفرض العقوبات، وصولاً إلى التوقف عن مدّ الكيان بالأسلحة والذخائر. هذا فضلاً عن إمكانية العمل على فرط عقد الحكومة الإسرائيلية من الداخل.
وقد خاب ظنّ البعض بأن دعوة بايدن لعضو الكابينت الإسرائيلي المُصغر، بني غانتس، لزيارة واشنطن، سوف تفضي إلى خلخلة الحكومة الإسرائيلية، في الوقت الذي حرص فيه الرئيس الأميركي على عدم استقباله، برغم أن برنامج الزيارة حفل بمواعيد من الصف الذي يلي الرئيس الأميركي مباشرة، بدءاً من نائبة الرئيس كامالا هاريس إلى الوزراء الأساسيين في الإدارة وقادة الكونغرس ومستشار الأمن القومي للبيت الأبيض جيك سوليفان.
والمفارقة هنا، إن أقصى ما يسعى إليه الرئيس الأميركي اليوم، هو الاضطلاع بدور متوازن في حرب غير متوازنة، بحيث تتولى إسرائيل إلقاء قنابل أميركية الصنع على غزة في الوقت الذي يتولى فيه سلاح الجو الأميركي، بالتعاون مع نظيره الأردني، إلقاء مساعدات إنسانية!

