ليديا أبودرغم - خاصّ الأفضل نيوز
أعادت العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا الحديث عن الأمن الأوروبي؛ الذي ارتهن للولايات المتحدة منذ 78 عاماً، وارتهنت معه القرارات السياسية، فظهرت أوروبا في العديد من الأحداث المعاصرة تابعةً للولايات المتحدة.
منذ العملية العسكرية الروسية، لم نشهد أي تحرك أوروبي منفصل عن الإرادة الأميركية، إن كان بنوعية الدعم العسكري أو الكمي، في حين أن العقوبات الاقتصادية على موسكو أدّت إلى رفع أسعار الطاقة في أوروبا وتضرّر المواطن الأوروبي في الدرجة الأولى، في وقت كانت الولايات المتحدة تبيع أوروبا الغاز بأضعاف سعره.
ويزداد الهاجس الأمني أوروبياً، مع اقتراب نهاية عهد الرئيس الأميركي جو بايدن واحتمال عودة الرئيس السابق دونالد ترامب، الذي شجع روسيا على أن تفعل ما يحلو لها بأي دولة من دول الناتو لا تلتزم بقاعدة الاتفاق 2% من ناتجها المحلي على النفقات الدفاعية، ولا شك أن عدم مرور مشروع قانون في مجلس النواب الأميركي لمنح أوكرانيا مساعدات تبلغ حوالي 60 مليار دولار عمّق هذا الخوف، وهو ما اعتبره البعض مؤشراً ربما على تغيّر المواقف الأميركية بشأن الالتزامات الأمنية تجاه أوروبا في إطار حلف "الناتو"، وهي استراتيجية ليست جديدة، فقد سبق وطبقتها واشنطن بشكل جزئي أثناء الحرب العالمية الثانية، إذ استفادت من تحول القاعدة الصناعية الأوروبية نحو خدمة أهداف الحرب في سنواتها الأولى، ومن ثم شهد القطاع الصناعي الأميركي رواجاً شديداً نظراً لاعتماد السوق الأوروبية على نظيرتها الأميركية في توفير السلع الاستهلاكية المختلفة.
من المتوقع أن تتحرك الدول الأوروبية على عدة مسارات لتحقيق أمنها، في ظل تراجع الالتزامات الأميركية نحوها، منها: زيادة نفقات الدفاع عبر زيادة الإنتاج وتطوير الصناعات العسكرية، كما ستحاول تغيير طريقة تمويل التسليح الأوروبي، والتقارب ربما أكثر من دول "البريكس".
إن تراجع الولايات المتحدة في التزاماتها الأمنية تجاه أوروبا، ستكون له تداعيات ليس على أوروبا وحدها، وإنما قد تمتد لتشمل واشنطن أيضاً: فثمّة وجود تحدّيات أخرى في الجوار الأوسع لأوروبا وبينما نيران الحرب في غزة تستعر، على الاتحاد الأوروبي كمؤسسة، وأوروبا كقارّة أن يأخذ ذلك على محمل الجدّ من خلال تبنّي السياسات المناسبة، وأن يدرك أن ثمّة أيضًا ضرورات أمنية ناشئة عن الصراع قد تؤدي إلى خلافات واضحة في السياسة الخارجية الأوروبية -الأميركية، ما قد يدفع بعض حلفاء الولايات المتحدة، حتى من خارج أوروبا، إلى إعادة النظر في اعتمادهم عليها باعتبارها لم تعد مأمونة الجانب، واتجاههم نحو قوى دولية أخرى أبرزها الصين، مما قد يؤثر بالتبعية في دور واشنطن على الساحة الدولية.

