مهدي عقيل - خاصّ الأفضل نيوز
كثيرة أزمات العدو، خصوصاً ما تكشّف منها بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، لكن أزمة طائفة "الحريديم"، القديمة-الجديدة، وإصرارها على عدم تجنيد أبنائها في الجيش يضعها في رأس قائمة الأزمات، كونها تتصل بأبرز دعائم الكيان؛ العقيدة، الأمن والمال.
أشرنا في مقال سابق تحت عنوان "العقد الاجتماعي في الكيان العبري على المحك!" إلى أن "الحريديم" باتوا اليوم، يهددون العقد الاجتماعي القائم في الكيان منذ ولاية أول رئيس وزراء، ديفيد بن غوريون، والذي يقضي باستيطان اليهود المتدينين مقابل إعفائهم من الخدمة العسكرية.
وأشعل فتيل الخلاف حول وضعية تلك الطائفة، الأسبوع الفائت، زعيم المعارضة الإسرائيلية، رئيس الحكومة السابق، يائير لابيد، الذي قال في معرض طلب الجيش للاحتياط تحسباً لاشتعال الجبهة الشمالية، وسعي الحكومة الإسرائيلية إلى إقرار مشروع قانون يستثني الحريديم من الخدمة العسكرية، ويزيد مدة الخدمة الإلزامية من 32 شهراً إلى 36 شهراً، مع تطبيق ذلك أيضاً على المجندين حالياً، "إذا لم تجنّد إسرائيل الشبان الحريديم، فإنّه لا يحقّ لها إرسال مزيد من الأوامر إلى الاحتياط"، وأضاف لابيد "إذا حصلت مصادمات في الشمال، فلن يكون هناك ما يكفي من الجنود لخوضها" خصوصاً أن جبهة الشمال حسب زعمه تحتاج إلى عشرة آلاف جندي غير الفرق الأربع الموجودة هناك، في الوقت الذي يوجد نحو ستة وستين ألفاً من الحريديم يتمنّعون عن التحاق بالجيش.
استدعى ذلك رداً قاسياً من الحاخام الأكبر لليهود السفارديم في إسرائيل (طائفة اليهود الشرقيين) إسحق يوسف، السبت الفائت، بقوله "في حال أُجبر المتدينون على الخدمة العسكرية فإنهم سيسافرون جميعهم إلى الخارج، نشتري التذاكر ونذهب"، وأضاف الحاخام الأكبر، "لا يوجد شيء من هذا القبيل، إن العلمانيين يضعون الدولة على المحك". وختم يوسف كلامه الخطير: "يجب أن يفهموا هذا، كل أولئك العلمانيين الذين لا يفهمون هذا الأمر".
إذا ما وضعنا كلام لابيد على أهميته، في خانة النكد والمنافسة السياسية بينه وبين غريمه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، لا يمكننا إلا أن نتوقف ملياً أمام كلام الحاخام الأكبر، وهو أحد الحاخاميْن الرئيسيْين لدى إسرائيل، والذي يمثل طائفة السفارديم (الشرقيين)، فيما الثاني، دافيد لاو، يمثل طائفة الأشكناز (الغربيين)، ويطلق عليهما الحاخامان الأكبران.
قول يوسف بأنه سيغادر وطائفته من الحريديم الكيان العبري، والذين يمثلون أكثر من 13% من الإسرائيليين، هذا عدا عن أنه يشكل تهديداً وجودياً للكيان، فأنه يؤكد كذب ادعائهم التلمودي بأن فلسطين أرض الميعاد، وإنها وطن قومي ليهود العالم، وغيرها من الخُزعبلات التلمودية، لا سيما في ما خص تابوت العهد الذي يحمل ألواحاً منقوشة بالوصايا العشر تلقاها (النبي) موسى على جبل سيناء وفقًا للكتاب المقدس والعهد المسيحي القديم، والمدفون تحت قبة الصخرة كما يدعون.
الحديث عن مغادرة الكيان، يدحض كل هذه الأكاذيب، ويعرّي الكيان من العقيدة الدينية التي قام عليها، هذا أخطر بكثير من تشكيل الحريديم عبئاً مالياً على الكيان، وتشكيلهم مجموعة عاطلة عن العمل، لا تساهم بأمن البلاد، وفقاً لادعائهم بأنهم هم مسؤولون عن حماية الفكرة الصهيونية وإقامة دولة يهودية، فيما الآخرون مسؤولون عن حماية تلك الدولة. ويعتبر الحريديم أن جهود الجيش ثانوية، مقارنة بتعلم التوراة التي يتولاها أبناؤهم.
أزمة الحريديم لن تتوقف هنا، ينتظرها الكثير، لا سيما بعد أن تحط حرب غزة أوزارها، وقد وصلت ببعض الحركات المناهضة للمتدينين، والتي أنشئت حديثاً، أقصد بها حركة "أمهات في الجبهة"، لأن تطالب بـ "تجنيد الحريديم في الجيش بدون أية حوارات معهم وإلغاء حق مَن يرفض تأدية الخدمة العسكرية في التصويت وفي الترشح للانتخابات".
وتقول هذه الحركة "نطالب بأن يكون قانون خدمة متساوية لجميع المواطنين في إسرائيل. الحريديم انفصلوا عنّا والطريق إلى إعادة وصلهم هي ليس إغداق المزيد من الميزانيات عليهم، وإنما دمجهم في المجهود القومي، وإلا فإن الطرفين سيؤولان إلى الضياع والزوال. منحناهم 75 سنة من الدلال والعيش على حساب الغير. وهذا انتهى".

