د. علي دربج - خاصّ الأفضل نيوز
على مرّ التاريخ، عُرف المواطنون السود على اختلاف مواطنهم ومذاهبم، بميلهم الدائم للتحرر ونضالهم ضد الظلم، ومقاومتهم المريرة للاستعمار والاحتلال، وكفاحهم الدائم لتحصيل حقوقهم الأساسية، فكانوا دائمًا في طليعة الداعمين للشعوب المظلومة والمسحوقة والمعذبة، وهو ما شهدناه مؤخرًا بتجرؤ جنوب أفريقيا، الدولة السمراء على إسرائيل، وإصرارها على محاكمتها أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي بتهمة ارتكاب الكيان الفاشي إبادة جماعية بحق سكان غزة، فضلًا عن مناصرة العديد من رجال الدين، الحركات والجمعيات والمنظمات السوادء، للشعب الفلسطيني وتنديدهم بالمحرقة الإسرائيلية المفتوحة بالقطاع.
لكن المؤسف أن هذا الوجه الحضاري المشرق الآتي من القارة السوداء ومن أماكن انتشار السود في مختلف مناطق العالم، تجري محاولات خبيثة لتشويهه، من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما رأينا باستخدام إدارة بايدن النساء السود كقفازات مخملية وقبضات حديدية فيما يتعلق بالحرب الدموية غزة، والذي قُتل فيه أكثر من 31 ألف فلسطيني، وفقًا لوزارة الصحة في غزة، إذ تعمل بعض النساء من أصل أفريقي خصوصًا في ممن يتولينّ مناصب قيادة رئيسية، على تأييد تواطؤ الولايات المتحدة لهذه الفظائع ويحاولن تخفيف مظهرها. مع العلم أن هناك بالمقابل نساء سود رفعن الصوت عاليًا ضد إسرائيل ومذابحها، بالرغم من الأخطار والتهديدات التي تعرضن لها.
وكيف تستغل الإدارة الامريكية النساء السود للدفاع عن شراكتها بقتل الفلسطينيين؟
في 3 اذار الجاري، كانت نائب الرئيس هاريس (سوداء من أصل أفريقي) في مدينة سِلمى بولاية ألاباما، لإحياء ذكرى الأحد الدامي، وهي مسيرة كانت جرت في العام 1965 للاحتجاج على قتل الشرطة للمواطن الاسود جيمي لي جاكسون، والمطالبة بالحق في التصويت. حينها هاجم الضباط البيض المتظاهرين على جسر إدموند بيتوس، واعتدوا بالضرب المبرح على عدد منهم.
إلى هنا تبدو الامور عادية، خصوصًا وأن رمزية الجسر والعنف والتضحية السوداء التي يمثلونها، أضفى جوًا من السلطة الأخلاقية خلال القاء هاريس آخر رسالة للإدارة حول محنة الفلسطينيين، حيث قالت فيها "لقد قُتل عدد كبير جدًا من الفلسطينيين الأبرياء". واعترفت قائلة: "لقد رأينا تقارير عن أسر تأكل أوراق الشجر أو علف الحيوانات، ونساء يلدن أطفالاً يعانون من سوء التغذية مع رعاية طبية قليلة أو معدومة، وأطفال يموتون بسبب سوء التغذية والجفاف". ودعت إلى وقف فوري لإطلاق النار على الأقل خلال شهر رمضان المقبل، وإطلاق سراح الرهائن، والسماح لإسرائيل بتدفق المساعدات الإنسانية إلى غزة.
لكن السقطة الأخلاقية التي ارتكبتها هاريس (ولا شك انها كانت عن سابق تصميم واصرار) أنها ساوت بين الضحية والجلاد، فتجنبت انتقاد إسرائيل بسبب حصارها واعتداءاتها البربرية. والانكى انها لم تطالب بالتشكيك في نقل الأسلحة إلى إسرائيل. وبدلاً من ذلك، أشارت إلى ما حل بالفلسطينيين في غزة باعتباره "كارثة" مجهولة، وكأن إعصاراً مشبعاً بالقنابل والرصاص انفجر من البحر الأبيض المتوسط. إضافة إلى تجاهلها الدعوة لوقف دائم لإطلاق النار، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي الوحشي.
أسوء ما في الأمر، أن هاريس تعي كونها متحدرة من عائلة (عرفت العبودية والذل والقهر) إن الموت والحرمان في غزة ناجم عن تصرفات أشخاص محددين يعملون من خلال أنظمة السلطة. لقد عرف السود ذلك لعدة قرون، وأجبروا على البقاء ومقاومة آلة كانت خائفة من استقلالهم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وقمعته بشكل نشط. كانت عمليات الضرب والإعدام والمذابح ضد السود أسلحة منهجية ومتعمدة للتفوق الأبيض، وليست عواصف لا يمكن تفسيرها من "الفوضى" العشوائية.
ومع ذلك، كان خطاب هاريس مترهل واعوج يتنكر في هيئة القوة، خصوصا، انه اتى بعد عمليات "إسقاط المساعدات الإنسانية" التي كانت محل سخرية وانتقادات واسعة النطاق باعتبارها غير فعالة وغير كافية بشكل مثير للشفقة، والاهم انها تعكس حقيقة (قلوب واشنطن مع الغزيّين قنابلها وصواريخها الفتاكة عليهم).
علاوة على ذلك، تعتبر هذه الطريقة من المساعدات، علامات على ضعف الولايات المتحدة، مما يؤكد أن فريق الرئيس بايدن لن يستفيد من عمليات نقل الأسلحة لإجبار إسرائيل على التعاون. أو إذا لم تكن وجه ضعف بايدن، فهي وجه القسوة الأمريكية المستمرة تجاه الفلسطينيين.
أما النكسة الكبرى لهاريس، فتتمثل بأنه من غير المرجح أن يتأثر رئيس الوزراء الإسرائيلي النازي بنيامين نتنياهو بأزياء هاريس المخملية للحقوق المدنية وبكلماتها المنمقة، والتي يبدو أنها لا تسعى إلى إقناعه، بقدر ما تهدف إلى تهدئة القاعدة المؤيدة لغزة والمناهضة للتطهير العرقي في "الحزب الديمقراطي".
ومن هو حصان طروادة الأسود الثاني لإدارة بايدن؟
بعد هاريس، اعتمدت الإدارة على امرأة سوداء أخرى لإرسال رسالة مختلفة تمامًا إلى نتنياهو . أي إعطائه قبضة من حديد لضرب الدعوات المتزايدة لوضع حد للقتل الجماعي. ولهذا صوّتت سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة ليندا توماس غرينفيلد (سوادء أيضًا من أصل افريقي)، ليس مرة واحدة بل مرتين، لصالح منع الدعوات لوقف إطلاق النار الإسرائيلي.
وعليه، بالنسبة للعديد من المراقبين السود، أعادت صور هذه الأصوات ذكريات أول وزير خارجية أسود، كولن باول، الذي استعمل مكانته أمام الأمم المتحدة للدفاع عن غزو العراق. وفي نظر العالم فإن غرينفيلد، مثل باول، هو وجه أسود يوفر الغطاء لوحشية أمريكا المباشرة وغير المباشرة في العالم العربي.
وماذا عن النساء السود الرافضات لجرائم إسرائيل؟
في الواقع، إن انجرار بعض النساء السود كهاريس غرينفيلد وراء مكاسب انتخابية او سعيا لمناصب قيادية تحتم عليهم استرضاء اللوبي الإسرائيلي في أمريكا، يمكن مقارنته بأخريات من اللاتي يجسدن روح المتظاهرين الأصليين في الولايات المتحدة ضد الظلم والعبودية، و الذي طالبوا بالتحرر والدفاع عن الحقوق - بما في ذلك الاستعداد للهجوم بسبب فعل الشيء الصحيح.
وفي مقدمة هؤلاء النائب النائب كوري بوش (ديمقراطية من ولاية ميزوري) وهي من بين أوائل القادة الأمريكيين الذين دعوا إلى وقف إطلاق النار والإغاثة الإنسانية. زد على ذلك، انها لم تتوانى عن التعبير والاشارة الى مقدار المعاناة والموت بغزة، وهي تضع المسؤولية بشكل مباشر على إسرائيل. إذ كتبت: "اسمحوا لي أن أكون واضحة، إن العقاب الجماعي للفلسطينيين في غزة هو جريمة حرب. ... إن التزامي بإنهاء العنف والوحشية والقمع ليس مشروطًا. إنه عالمي".
وبالمثل، لم تقل شجاعة النائب إلهان عمر (ديمقراطية من ولاية مينيسوتا)، عن زميلتها بوش، إذ كانت عمر صريحة أيضًا بشأن الوحشية ضد الفلسطينيين، والأهم أنها لم تكتف بالتأييد النظري للفلسطينيين، إنما قدمت قرارًا لمنع مبيعات الأسلحة إلى إسرائيل.
وفي محاولة لإسكات هذه الأصوات من النساء السود ومعاقبتهن، تعهدت لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (ايباك)، وهي جماعة ضغط مؤيدة لإسرائيل، بإنفاق ملايين الدولارات لمحاولة إقالة هؤلاء النساء السود من مناصبهن.
في المحصّلة،إن استحضار نائبة الرئيس للنضال الدموي الذي خاضته أمريكا السوداء ضد الفصل العنصري، في حين أنها وجه لإدارة تفرض القمع في الخارج، يبدو مظلمًا وقبيحا للغاية، خصوصا وأننا نعلم أنه في نهاية المطاف، فإن الرجال البيض في الإدارة هم من أصحاب القرار.
من هنا، تسأل عدد من الناشطات الأمريكيات السود هل يمكننا حقًا أن نحتفل بالنساء السود في السلطة اللاتي لا يستطعن استخدام السلطة المذكورة لمنع الموت والمجاعة التي يتعرض لها شعب عديم الجنسية؟ أما الجواب فكان مثلما ردده عدد متزايد من الناخبين السود بـ "لا" كبيرة.

