مهدي عقيل -خاصّ الأفضل نيوز
في اليومين الماضيين شهدنا على حدثين بارزين شغلا الرأي العام اللبناني على الأقل، وبطلتهما راهبتان، أو راهبة وأخرى مُدرِّسة -لم يكشف عن أسمها- تتوليّان تدريس الدين في مدرستين تابعتين لمؤسسات دينية.
قبل يومين انتشر مقطع فيديو على مواقع التواصل للراهبة مايا زيادة وهي تخطب في تلامذتها في مدرسة "سيدة الحبل بلا دنس المجانية" في بلدة غبالة – قضاء كسروان، وتحثّهم على التضامن مع أهل الجنوب وتُشيد برجال المقاومة الذين يدافعون عن كل لبنان. وقالت "اليوم بدنا نصلي للجنوب ولرجال المقاومة". وما إن وصل هذا الفيديو إلى مسامع أهالي التلاميذ والقوى السياسية في المنطقة حتى قامت الدنيا ولم تقعد، وطالب الأهالي بكركي بمعاقبة الراهبة بذريعة أنه يتم غسل أدمغة أولادهم من بعض الدخلاء على الرهبنة والمدارس.
لم يتوقف الأمر هنا، بل تنطح بعض السياسيين المناوئين لنهج المقاومة، واستنكروا ما قامت به الراهبة، على أن كلامها يخالف تعاليم الرهبان وخطاب سيد بكركي الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، الذي طالما صدح صوته في الآحاد بوجوب الحياد وتوجيه الانتقادات للمقاومة، لا سيما في الفترة الأخيرة بعد اشتعال الجبهة الجنوبية.
وانتهى الأمر بمعاقبة الراهبة وطردها من المدرسة وتغيير مهامها، بأمر من الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية، بذريعة أن الأخيرة "ليس لديها لغة سياسية تتعاطى بها مع الطلاب، إنما تتعاطى بالشأن التربوي فقط لا غير"، وإنها تؤكد على "التربية على المواطنية، على محبة الوطن". على اعتبار أن هذه مبادئ جامعة ويتفق عليها الجميع.
والسؤال هنا، بصرف النظر عمّن يؤيد المقاومة أو يخالفها، هل مقاومة الاحتلال عمل سياسي حزبي أو فئوي؟ أم جزء من التربية الوطنية والمواطنية التي تحدثت عنها الأمانة الكاثوليكية، لكل شعب يضحي في سبيل وطنه. وإذا سلمنا جدلاً أن ما قالته الأمانة الكاثوليكية صحيح، هل التضامن مع مجموعة من المواطنين يتعرضون للاعتداء اليومي، جريمة يحاسب عليها القانون أو الدين؟ وتُحرّم الصلاة لأجلهم توسلاً إلى الله ليقيهم شر الاعتداء.
وبعد يوم واحد على حادثة تسجيل مايا زيادة، طالعتنا الصحف بخبر عن راهبة أخرى، قامت بتوزيع مستند له علاقة بنظرية "الجندر" في مدرسة "المركزية" في جونية، وعوقبت بالتوقف عن العمل لشهر واحد فقط، وبعد مضي فترة العقوبة تعاود الراهبة العمل بشكل طبيعي، على اعتبار أن ما قامت به تلك الراهبة غير مقصود، وبالتالي هي معذورة.
وعللت أمانة السر العامة للرهبانية اللبنانية المارونية التي تتبع لها المدرسة، الأسباب في بيان، "أن المعلمة (الراهبة) التي أخذت المستند من الانترنت هدفت إلى معالجة موضوع اليتم، خصوصاً أنه يحاكي معاناة بعض طلاب صفها. وأرادت، من خلال المستند، توضيح أن باستطاعة أعضاء آخرين من العائلة الكبيرة إحاطة اليتيم أو اليتيمة بالعطف. وأكدت المعلمة أنها ليست ملمة بموضوع "الجندر" ".
صدقاً، لم أفهم مما تقدم شيئاً، وما شأن المثليّة في معالجة موضوع اليتم؟ غريب هذا العذر الأقبح من الذنب، في ما الأغرب من ذلك، المقاضاة التي حصلت، راهبة تُمجّد المقاومة، تصوّر وكأنها ارتكبت إحدى الكبائر، وأخرى تروّج للمثليّة بشكل أو بآخر، يتظاهر طلاب المدرسة دعماً لها واعتراضاً على توقفها عن العمل. ولا نسمع صوت سياسيًّا واحداً يندد بفعلتها، ولا حتى رجل دين واحد، في والوقت الذي تُحرّم فيه كل الكنائس المثليّة. وربما أمست معاداة المثليّة تُعرض صاحبها للعقوبات الدولية.
هذا "اللبنان"، وهذا قضاؤه الكنسي، لا يختلف بقيد أنملة عن القضاء المدني اللبناني. وبالمناسبة، ولنكن منصفين، قضاء المذاهب الدينية الأخرى لا يختلف أيضاً.

