جهاد مراد- خاصّ الأفضل نيوز
كشفت الراهبة مايا زيادة ليس عن المُخَبّأ في الذات الفئوية اللبنانية وأدرانها والقيح المتكلّس على جدران النفوس فحسب، ولا عن النفاق الكامن في الصدور خلافاً لسرديات النصوص المشبعة بالغش المشترك والمسمى عيشاً مشتركاً، والذي لا يزال دون التشكل المجتمعي النّقي من لوثة الطائفية والاستعلاء والتناقض التنابذي حيال هوية لبنان التي ظنَنّا أنها حُسِمَت في الطائف فإذا نحن واهمون .
ما كشفته للأسف الشديد هو رأس جبل الجليد لأزمة الكيان اللبناني ودوره منذ نشأته وما رسمه له المستعمر من وظيفة مشدودة للغرب ومصالحه لاسيما سلخه عن محيطه العربي وقضاياه القومية.
مايا زيادة -الراهبة المترهبة في هيكل المسيحية الحقّة الرافضة للظلم والعدوان،هي بنت الرسالة المسيحية التي طردت اللصوص من الهيكل ،وشهدت لمقاومين نذروا دماءهم لسيدة معلولا وطهر راهباتها وكل المقدسات التي طالتها يد الإرهاب، وهي كانت تقوم بواجبها كمسيحيةٍ في رفض الظلم والعدوان والقتل والتدمير والتشريد والتجويع، لأن سيدَنا المسيحَ عليه السلام كان الفدائي الأولَ في فلسطين، والمقاومَ الأول الذي رفض الركوع والخنوع، وكان يحمل صليبه على كاهليه ويتعذب وفي الوقت عينه، يقول للناس : ( تعالوا إليَّ أيها المتعبون فأنا أريحكم)، لماذا؟ لأنه كان يدرك أنه الأقوى من جلاديه برسالته السماوية السمحاء وقيمه الإنسانية النبيلة، وهم الضعفاء لأنهم لم يعرفوا طريق الحق.
إنَّ أعظم ما في كلام الراهبة المسيحية المجاهدة على طريق القدس وبيت لحم أنها وجهت صفعة لتلك الثقافة البائدة ولتلك الذهنية الطوائفية التي ما زالت متجذرةً في النفوس والأفعال والاقوال.
لقد رسمت الأخت مايا زيادة في ربوعنا وعلى صفحات أرواحنا تلك النفحةَ الوطنية الأخلاقية والعربية فكانت بحقٍّ الروحَ المتمردةَ على القيود الموروثةِ التي بانت بكل فجاجتها وقبحها وبانت معها الردود التكفيرية المقززة التي إن دلّت على شيء فعلى أن بعض اللّبنانيين لم يتعظوا أو يستفيدوا من تجارب الماضي ورهاناته وخطاياه بعد.
إن أقسى وأخطر أزماتنا أنَّ بعضنا لم يحسم خياراته بعد حيال الصراع في المنطقة ولا زال يعيش في التّيه والظلمة فلا يميّز بين من هو العدو ومن هو الصديق.
إن خيار المقاومة وكذلك دماء الشهداء في الجنوب التي باركتها رسالة الأخت مايا زيادة هي النور الحقيقي لوطن الوحدة في وجه العدو الصهيوني المتربّص بنا والمعتدي على أرضنا وشعبنا وثرواتنا القومية، والشهداء الذين يروون بدمائهم أرض الجنوب هم شهداء الوطن وحماة سيادته واستقلاله وعنوان الشرف والكرامة الوطنية .
الأخت مايا زيادة تمثل اليومَ الصوتَ المُدوِّي بالحق، والرسالةَ التي هزت الضمائر وأيقظت الوعي كما غربلت النفوس الصدئة والعقول المقفلة، إنها الكلمة- الطلقة في صدر العدو الصهيوني ومشاريعه العدوانية التوسعية، وبمثل هذه الكلمة ننتصر، ولا شك بأن انتصارنا على عدونا الغاصب حتميٌّ ونراه قريبا مهما كان حجم الآلام والتضحيات...
وليس المستغربُ أو المستهجَنُ والمثيرُ للرّيبة ما قامت به الأخت مايا زيادة، وإنما ما سكتت عنه الأمةُ- كلُّ الأمةِ بأحزابها ومثقفيها وجماهيرها الغفيرة، فهم جميعاً في قفص اتهام وهي خارجه مع ثلةٍ قليلة من أحرار الوطن والأمّة، وليس العيب فيها، لكونهم لم يفهموا تعاليمَ مسيحيتهم وإسلامهم ولكن العيبَ فيهم.

