د. علي ناصر ناصر - خاصّ الأفضل نيوز
أطلقت الولايات المتحدة عملية "حارس الازدهار" في 18 كانون الثاني/ يناير 2024 ردا على الهجمات التي شنها أنصار الله منذ 19 تشرين الثاني/ أكتوبر على السفن المتجهة إلى الموانئ الإسرائيلية، حيث تصدت القوات الأمريكية المنتشرة في البحر الأحمر للصواريخ والطائرات المسيرة التي أطلقت من اليمن على "دولة إسرائيل". تقصف الولايات المتحدة وبريطانيا منذ 12 كانون الثاني/ يناير 2024 العاصمة اليمنية صنعاء ومواقع أنصار الله المنتشرة على البحر الأحمر بشكل متواصل بحجة حماية الملاحة البحرية وحماية السفن التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن، رغم أن أنصار الله قاموا بمهاجمة السفن الإسرائيلية وتلك المتجهة إلى الموانئ الإسرائيلية ولم يعترضوا حركة التجارة البحرية في باب المندب والبحر الأحمر.
تمثل اليمن في السياسة الأمريكية فكرة الموقع الجغرافي الذي يستحق حربا من أجل السيطرة عليه أو منع أحد من السيطرة عليه. تتناسب السياسة الأمريكية مع فكرة تقسيم اليمن بين قوتين واحدة تتحكم بشواطئ البحر الأحمر والثانية تتحكم وبشواطئ عدن والبحر العربي وباب المندب حيث إن اليمن موحدة مع هذه القوة البحرية تحمل مخاطر على السياسة الأمريكية وتجعلها قوة إقليمية قد تندفع على المساحات الجغرافية المجاورة البرية والبحرية.
إشهار القوة والتفوق الأمريكي
توظف الولايات المتحدة القوة بمفاهيمها المختلفة، وخاصة القوة الصلبة في علاقاتها الخارجية ولا تتوانى عن استعراضها واستخدامها إذا ما دعت الحاجة، فالتدخل العسكري وتنفيذ المؤامرات والتخريب داخل الدول وممارسة ما يسمى "دبلوماسية البوارج" لردع الآخرين جزء من السياسة الخارجية الأمريكية، وتمارس قوتها الصلبة عبر فرض العقوبات الاقتصادية على الدول وشل قدراتها الإنتاجية بفعل سيطرتها على الاقتصاد الدولي. إشهار القوة واستخدامها رسالة ردع تقدمها الولايات المتحدة للدول التي تعارض السياسة الأمريكية في المنطقة والعالم، ومنذ عام 2002 تنفذ طائرات "الدرون" الأمريكية غاراتها على اليمن بحجة محاربة الإرهاب وقد قتلت العديد من المدنيين.
الحفاظ على التفوق البحري في الصراع مع روسيا والصين
تمثل الولايات المتحدة القوة البحرية الرئيسية في العالم وتقدم نفسها حامية التجارة البحرية وسلاسل الإمداد وأمن الطاقة العالمي، وهي تؤيد حرية الملاحة في المضايق الدولية ولم توقع على قانون البحار، ويتناسب ذلك مع حركة التجارة الأمريكية المتدفقة باستمرار، ويوجد لديها قواعد عسكرية في 18 دولة بحرية في العالم وتتعرض لمنافسة شرسة من الصين وروسيا سواء من حيث الاتفاقات البينية مع الدول الأخرى، أو تلك التي تُنشِئ فيها قواعد لوجستية أو عسكرية مثل السودان وجيبوتي. وقصف اليمن رسالة إلى روسيا تتمحور حول حركة الأسطول الروسي في البحر الأحمر، والاتفاقية مع السودان لإنشاء مركز دعم لوجستي للبحرية الروسية في بورتسودان على البحر الأحمر في اتفاقية تمتد إلى 25 عاما، وحاولت الولايات المتحدة التحريض على عدم إتمام الاتفاقية ولكنها لم تحقق مرادها مما يشكل تنامي القوة الروسية في منطقة باب المندب والبحر الأحمر والشرق الأوسط وأفريقيا.
تشكل الصين بالإضافة إلى كونها قوة برية كبرى القوة البحرية الصاعدة والتي بدأت تنافس البحرية الأمريكية حيث تملك حاليا 340 سفينة وتتقدم لتصبح400 سفينة في حدود عام 2025، بينما الولايات المتحدة تملك 300 سفينة وتحتاج أكثر من عشرين عاما ليكون لديها هذا العدد من السفن. وتبني الصين في جيبوتي على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر 12 ميناء بحريًّا لاستقبال الحاويات الصينية وأيضا تطبيقا لنظرية مبادرة الحزام والطريق التي تعبر جيبوتي في مجالها البحري. فالتحرك الأمريكي العسكري هو رسالة صلبة لدول المنطقة ومحاولة لإثبات القدرات التي تملكها البحرية الأمريكية ولتثبيت النفوذ في المنطقة.
التواصل البحري بين الأساطيل الأمريكية
يشكل البحر الأحمر، من باب المندب حتى قناة السويس، نقطة اتصال بين الأساطيل الأمريكية التي تنتشر في مياه الخليج العربي والمحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط، وهذه الأساطيل في حركة مستمرة وتنفذ العديد من المهمات وتراقب المنطقة بشكل مستمر والمهمات التي تباشرها الولايات المتحدة منها ما هو متعلق بالنظم السياسية نفسها، وبالأمن البحري ومحاربة القرصنة، وتأمين انسياب البضائع عبر هذه الخطوط البحرية في عملية تأمين لاستقرار الاقتصاد العالمي فإن أي توتر أمني في تلك الممرات بالتأكيد له انعكاس اقتصادي على الأسواق العالمية خاصة في مجال الطاقة والبورصة والتأمين البحري وهي مجالات تقودها الولايات المتحدة وتبني اقتصادها ونموه، ضمن المجموعة الرأسمالية العالمية، على حركة ونشاط تلك المجالات وشكلت حركة أنصار الله في اليمن قلقاً أمريكيًّا على هذا المستوى بالدرجة الأولى رغم التأثير على حركة الاقتصاد الإسرائيلي وهو أمر يمكن تعويضه بسهولة بالنسبة للولايات المتحدة التي تنظر إلى "دولة إسرائيل" بالمفهوم الوظيفي وليس الحقوقي وتوظفها في الإطار الكلي للاستراتيجية الأمريكية وينطبق الأمر نفسه على أوروبا أيضا حيث يمكن تحمل الكلفة الاقتصادية أو على أقل تقدير تقوم بوقف إطلاق النار في غزة، لكن الولايات المتحدة وجدت أن الكلفة الاقتصادية ووقف إطلاق النار لن يعيدا هيبتها البحرية ومنع التحدي لها وسيدفع قوى أخرى في المنطقة إلى الخروج على المفهوم الأمريكي لأمن الممرات المائية الدولية لذلك انطلقت في عملية عسكرية للردع ومنع صعود أي قوة إقليمية قادرة على فرض خياراتها السياسية.
الحرب في البحار البعيدة
تمثل الحرب جزءا في العقيدة الأمريكية، والولايات المتحدة هي الدولة الأكثر مشاركة للحروب في العالم منذ تأسيسها وشاركت في عشرات الحروب وتدخلت عسكريا في عشرات البلدان ولا يوجد مرحلة من مراحل التاريخ الأمريكي أو صراع دولي مهما كانت طبيعته إلا وكان للولايات المتحدة دور به وتنتشر عسكريا على مستوى الكرة الأرضية وتجوب أساطيلها البحار والمحيطات وتدخلاتها العسكرية جزء من استراتيجياتها للسيطرة أو للحفاظ على السياسات القائمة التأثير على شعوب المنطقة.
تخشى الولايات المتحدة من تحول أنصار الله إلى قوة إقليمية مؤثرة فتنعكس على شعوب المنطقة المعادية لوجود "دولة إسرائيل"، خاصة أن اليمن تشارك الخليج العربي ومصر بالحضارة والثقافة نفسها والمصالح المشتركة، وهناك امتدادات جغرافية طبيعية تدفع أبناء المنطقة إلى التفاعل والتواصل بشكل تلقائي، وتملك جميعها شعورا مشتركا اتجاه الكيان الصهيوني وهو مادة وقضية تدفع الشعوب العربية على امتدادها من المشرق العربي إلى شبه الجزيرة العربية والمغرب العربي إلى التوحد لنصرة القضية الفلسطينية، وهذا ما تخشاه الولايات المتحدة وتعمل على فصل عوامل الوحدة عن الشعوب.
تعمدت الولايات المتحدة إلى قصف اليمن وإعادة إدراج أنصار الله على لائحة الإرهاب من أجل إضعاف تلك القوة وترهيب شعوب المنطقة والقوى المحركة للرأي العام.
استنتاج
تدخل أنصار الله في اليمن بسبب الحرب على غزة بينما التدخل الأمريكي مرتبط بالصراع الدولي على البحر الأحمر. يرتبط الأمن البحري "لدولة إسرائيل" بالحركة الاقتصادية في البحر الأحمر ويظهر ذلك بالتواجد الأمني الإسرائيلي في جزر "دهلك" التابعة لإرتيريا وهو مرتبط بالاستراتيجية الأمريكية في البحر الأحمر. تكلفة الحرب العسكرية هي أقل من الثمن الاقتصادي والسياسي الذي قد تدفعه الولايات المتحدة في حال فقدانها السيطرة الأمنية على خطوط الملاحة في البحر الأحمر. سيؤدي تدهور القوة الأمريكية في البحر الأحمر إلى خسارة قوتها في الخليج العربي ومضيق هرمز وشل حركتها البحرية في المحيط الهندي. تترافق العملية العسكرية لحركة أنصار الله مع الصعود البحري للصين واندفاعة روسيا نحو أفريقيا وتأهب أمريكي لتثبيت قوتها في القرن الأفريقي وسواحل البحر الأحمر. تصاعد الحرب في قطاع غزة سيدفع بأنصار الله إلى الاستمرار باعتراض السفن المتجهة إلى الموانئ الإسرائيلية ويدفع الولايات المتحدة إلى مزيد من الانخراط السياسي والعسكري مما سيدفع الصدام الاستراتيجي مع محور المقاومة إلى الواجهة.

