عماد مرمل - خاص الأفضل نيوز
كشفت المواجهة التي تدور منذ 8 أكتوبر بين حزب الله والاحتلال الإسرائيلي عن استفحال الانقسام بين ثقافتين متعارضتين بالكامل في لبنان، حتى يكاد يخيل إليك أنهما لا تنتميان إلى بلد أو شعب واحد.
صحيح أن الانقسام الداخلي ليس أمرا جديدا ولا طارئا وهو بات جزءا عضويا من "التقاليد" اللبنانية، لكنه يصبح نافرا ومعيبا في مراحل الأزمات الكبرى، لأنه يتحول آنذاك من دلالة على التنوع إلى عامل إضعاف للمناعة الوطنية في مواجهة المخاطر الداهمة.
ومن المعروف في "الدول الطبيعية"، أنها عندما تتعرض إلى اختبارات أو تحديات مصيرية، فهي تبادر بـ"الفطرة" وبدافع حماية وجودها ومصالحها، إلى تجاوز تناقضاتها الثانوية وتوحيد صفوفها، بغية التصدي للتحدي المفروض عليها بأفضل الشروط الممكنة، خصوصا إذا كان مصدره خارجيا.
ولكن لبنان يبدو استثناء لهذه القاعدة، إذ إن الاعتداءات الإسرائيلية التي يتعرض لها لم تكن كافية لكي "تؤجل" القوى الداخلية خلافاتها وتناحرها إلى ما بعد انتهاء الحرب، عملا بقاعدة أن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، وانطلاقا من أن الأولوية القصوى الآن يجب أن تكون حصرا لتحصين البلد المهدد وحمايته من كيان الاحتلال، وبعد ذلك يمكن أن نعود إلى "زواريبنا" الضيقة ومناكفاتنا التي لا تنتهي.
وحتى لو كان خصوم المقاومة مقتنعين بأنهم على حق وبأنها على خطأ، فإن مقتضيات المصلحة الوطنية العليا تقتضي إرجاء النقاش حول مكامن الاعتراض على سلوكها إلى حين توقف الحرب، حتى لا يُمنح العدو أي هدايا مجانية.
ولم يكتف البعض بشن أشرس الحملات على المقاومة فيما هي تقاتل العدو عبر الجبهة الجنوبية، بل ذهب في موقفه إلى درجة تبرير الارتكابات الإسرائيلية والشماتة بالتضحيات والإساءة إلى البيئة الحاضنة وتشويه الحقائق، ما أدى إلى مزيد من التفكك والتفسخ في الجبهة الداخلية وتعزيز مشاعر الكراهية والبغض في لحظة مفصلية، الأمر الذي أفضى إلى استبدال العدو الأصلي بعداوات بديلة بين اللبنانيين.
والأكيد أن الاحتلال الإسرائيلي هو المستفيد الأكبر من شرود "البوصلة" وتغليب النزاعات الجانبية على أولوية التصدي له، علما أن مثل هذه البيئة المتشظية تشجعه على الاستمرار في عدوانه واللعب على وتر الانقسامات اللبنانية بما يخدم مصلحته.
ولعل أخطر ما في التجربة الحالية أنها فضحت "المستور"، إذ ان هناك من تجاوز في موقفه السلبي حيال المقاومة حدود الخلاف السياسي مع خياراتها إلى اعتماد خطاب "انغلاقي"، وأحيانا "انفصالي"، يدعو إلى الفدرلة تارة والتقسيم طورا، بحجة استحالة التعايش مع فريق من اللبنانيين تحت شعار "ما بيشبهونا"، في انزلاق خطر نحو خيارات انقلابية من شأنها أن تهدد معنى لبنان وفلسفة وجوده.
ويعكس هذا الواقع الصادم حقيقة مرّة تسود منذ عقود وهي أن لا تفاهم حقيقيا بين المكونات اللبنانية على تحديد الصديق والعدو، وتعريف مفهومي السيادة والاستقلال، بل إن لكل طرف عدوه وصديقه، وسط اجتهادات متضاربة في تفسير السيادة والاستقلال، وبالتالي فإن البديهيات التأسيسية التي ترتكز عليها الأوطان لا تزال عندنا موضع أخذ ورد، الأمر الذي من شأنه أن يبقي لبنان في مرحلة ما قبل "الدولة" حتى إشعار آخر!

