مهدي عقيل - خاصّ الأفضل نيوز
يُطلق اسم جزيرة على قطعة من اليابسة في عرض البحر، لكن ما يُحاك لغزة من سياسات ومخططات ما أنزل الله بها من سلطان، سوف يُحيلها إلى جزيرة معزولة على اليابسة.
فالرصيف البحري المنوي بناؤه على شاطئ شمال غزة ليستقبل المساعدات بدلاً من الممرات البرية، التي يُعمل على إغلاقها بصورة نهائية، وتطويق القطاع أصلاً بسياج من الاسمنت وأحدث تقنيات المراقبة والتجسس، وبزنار من النار منذ اندلاع الحرب على غزة في 7 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، أحال الأخيرة إلى جزيرة على اليابسة ترتبط بالعالم الخارجي عن طريق ممر بحري بين غزة ولارنكا. أي بطريقة مقلوبة عن اتصال الجزر باليابسة.
وبطبيعة الحال، للرصيف عدة وظائف أخرى، يمكن اختصارها بما تفوه به العدو وأعوانه، وبما يكتمونه، إذ يترتب على هذا الرصيف أولاً مجموعة أهداف إسرائيلية:
1- استبدال وكالة "الأونروا" بمنظمة أخرى تكون مستعدّة لاستلام المساعدات الغذائية. وإدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، لم تتورع عن الإفصاح عن أملها في أن يشكل الرصيف المذكور بديلاً عن تلك الوكالة.
2- تقويض سلطة حركة "حماس"، وبناء وعي لدى أبناء غزة بأن الجهات الأخرى هي التي ستوفّر الغذاء والقادرة على ضمان استمرار تدفُّقه.
3- تخفيف الضغط الدولي على إسرائيل الذي يصوّرها على أنها تعمل على تجويع مليوني إنسان. وهي كذلك.
4- تخفف الإسرائيليين من بعض المسؤوليات الملقاة على كاهلهم، وإظهار الأميركيين على أنهم باتوا المسؤولين عن مشروع مد قطاع غزة بالمواد الغذائية.
ويترتب أيضاً على هذا المشروع الهجين الذي تشترك جهات متحالفة مع الكيان الإسرائيلي في عدوانه على قطاع غزة كألمانيا وبريطانيا وإيطاليا إلى جانب الولايات المتحدة، وتموّله دول خليجية، أمور أخطر مما ذكر، والمتضرر الأول فيها القطاع بطبيعة الحال، وتليه مصر:
1- تقليص الدور المصري بإغلاق معبر رفح، سوف يُتيح للعدو المطالبة بإعادة النظر في بنود اتفاقية كامب ديفيد والتعديلات التي طرأت عليها عام 2005، إثر انسحاب إسرائيل من غزة، ويستطيع بموجبها الكيان العبري من إعادة السيطرة على محور صلاح الدين (محور فيلادلفيا).
2- فقدان مصر الكثير من تأثيرها على حركة "حماس" أو أي جهة سوف تحكم القطاع مستقبلاً.
3- خسران مصر للإيرادات التي كانت تتأتى من معبر رفح.
4- إحالة رصيف غزة إلى قاعدة عسكرية أميركية على شاطئ شرق البحر المتوسط، وهذا يعتبر تطورًا جيو سياسي مهمًّا لانتشار القواعد الأميركية في المنطقة.
وتناط بها أدوار عسكرية وأمنية عدة، وتتيح للإدارة الاميركية الاستثمار في آبار نفط غزة البحرية الواعدة. وربما تزيد من نفوذها على الإسرائيليين بشكل أو بآخر.
5- تنفيذ مشروع "الترانسفير" القديم-الجديد، المرسوم لغزة من العام 1953، وثمة خشية من أن يكون تهجير أهل غزة هو أصل المشروع وسبب موافقة إسرائيل عليه. في الوقت الذي كان يمكن للإدارة الأمريكية تقديم المساعدة الإنسانية للجوعى في غزة، عن طريق إعطاء الضوء الأخضر للحكومة المصرية، مع قليل من الضغط على الاحتلال الإسرائيلي، لفتح معبر رفح والسماح بإدخال آلاف الشاحنات التي تنتظر الدخول عند المعبر، والتي توفر بشكل أسرع وأكبر وأكثر فعالية واستدامة احتياجات القطاع.
ختاماً، دعك من كل ما يهدف له الإسرائيلي والأميركي في آن، على خطورته، مشروع بناء الرصيف يستغرق نحو ثلاثة أشهر، حيث أنه من المتوقع أن يستغرق وصول "سفينة الدعم اللوجيستي LSV1" التي انطلقت من قاعدة لانغلي – يوستيس في الولايات المتحدة شهراً كاملاً، والتي تقل على متنها الجنود الأميركيين المختصين ببناء الأرصفة وفتح الممرات البحرية، والتي تبعتها ثلاث سفن أخرى، وسيستغرق العمل في إنشاء الرصيف عند ميناء غزة نحو شهرين. وسيكون الرصيف قادراً بحسب التصريحات الأمريكية على توفير مليوني وجبة ومليوني زجاجة ماء يومياً. هذا يعني أننا أمام حرب طويلة، ويمكن إطلاق تسمية حرب استنزاف عليها، حيث أنه لن يستطيع رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، إنهاء الحرب والقضاء على حماس، حتى وإن اجتاح رفح، طالما ثقل حماس العسكري ما زال تحت الأرض، ويحتفظ بالأسرى الإسرائيليين، ويقاتل على مساحة القطاع.

